• ×

قائمة

كيف أدى عامل الأرض إلى تراجع الحضور المسيحي؟

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
كريستيان مشعلاني ترافقت ظاهرة هجرة العديد من المسيحيين عبر التاريخ اللبناني مع ظاهرة بيع الأراضي والممتلكات. وفي حين لا يمكن حصر فعل المواطن من التملّك للعقارات والممتلكات بالبعد الإقتصادي فقط، إنما للأرض بعدٌ آخر، عقلي – عاطفي، جاذب للفرد للتجذُّر بوطنه وشدّه نحو أصالته فيما لو لفّ العالم أجمع.



المسيحيون والسلوك الإستهلاكي

ثمة أسباب دقيقة جعلت من المسيحيين جماعة مهاجرة غير متمسِّكة بأرضها وهويتها هو أن المسيحي فرد عاشقٍ للحرية. لا ريبة في هذا العشق، حين تُجسّد عقيدة الدين المسيحي هذه القيمة في التفسيرات السوسيولوجية حتى تميّزت أدبيات المسيحي الثقافية الفكرية والفلسفية وكذلك فنونه بتجسيده لقيمة الحرية، فتحولّت إبداعاً في المشرق العربي، وأدرك أن دوره غير مستقل عن حراك السيد المسيح المستيقظ دوماً في الثقافات والحضارات. أما القضية المعضلة التي يعيشها المسيحيون اليوم، قد تعود في بعض المناطق إلى عامل قمع. وليس من الغرابة بمكان، إذ أن مُعلِّمَهم قال مرّة سيضطهدونكم في المجامع وسيرذلونكم لأجل إسمي. فمنذ روما القديمة، قُمِعَ المسيحيون ورميوا في ملاعبها لتطحنهم الأسود بأنيابها وما خشيوا شيئاً، لأن قيامة السيد المسيح كانت تحرِّكهم نحو البقاء والسطوع. وبهذه القيامة سقط نيرون وتحولّت المسيحية إلى أمة ممتدة بكنائسها إلى زمننا الراهن. لكن ثمّة أمرٍ يجعل المسيحيين في الحاضر غير مرتبطين بأرضهم، وكأنهم يرفضون تلك الحقيقة المسيحانية التاريخية في جوفهم، كأن يُمسحِنوا الأرض بالتواجد فيها والتمسك بأرضهم، بل تحولوا إلى كائنات بيولوجية همّهم أن يبقَوْنَ جزءاً من عامل الإستهلاك، لأن المسيحيين لم يعودوا مؤمنين بفكرة البقاء. لقد أمسى الفرق شاسعاً بين حالة تكوينية ومحتوىً يفقد هذا التكوين، فإنعكس كل ذلك سلباً على البقاء بفضل غياب المضمون الثقافي والروحي لفكرة الوجود، لأن المضمون هو الذي يحدِّد الحضور، وهذا ما جعلهم يفقدون أرضهم لأنهم يفقدون تدريجياً قيمة الشهادة بإسم مسيحٍ لا يزال حيّاً.



الأرض في الإسلام

في حين، أن المسلم بعلم كلامه، وبالتشريع الكائن في القرآن الكريم، مؤمن بأن الأرض سبيله إلى الجنّة، والأرض جزء من هذا الإسلام، يتعلّق المسلم بها حتى الإستشهاد. فنراه يسعى دائماً إلى الحكم. الحكم عنده في المضمون التاريخي الموصول بالزمن الراهن، يجعل من الأرض مدىً واسعاً له. ويستعمل في هذا السبيل عامل النصوص، ويُجسَّد هذا العامل عن طريق القوّة (السيف) والمال والبنون (ديموغرافيا)، وهمه أسلمة الأرض. حُكم الكون عند المسلم هدف أولي طالما الإسلام دين ودنيا، يقوم على نظام سياسي حضاري مستقل، لديه مقومات مبيحة لكل إنتشار، منها النفط، المال، الإستثمار، رجال أعمال...



الفكر الصهيوني

وإذا تطرقنا إلى هذا الرابط بين السكان والأرض في العقيدة الصهيونبة، يرى أحد كبار الخبراء الأمريكيين "جاك لندر" في موضوع إقتصاديات المياه والزراعة، أنّ الإطلاع على الخرائط العسكرية الإسرائيلية وإختيار مناطق المواقع العسكرية، يثبِّت إرتباط تلك الخرائط والإختيارات بمنابع المياه. ويرى هذا الخبير الأمريكي أنّ نقطة الضعف الأساسية في الإقتصاد الإسرائيلي هي الجانب الزراعي، ففي الدراسات الإقتصادية المعمّقة يثبت دائماً أنّ الزراعة في (إسرائيل) - على عكس الوهم الشائع - ليست مربحة، بل هي مكلفة (لإسرائيل) وذلك لسبب عقائدي وليس لسبب إقتصادي، ففي العقيدة الصهيونية مقولة مفادها "أنه لكي تقوم دولة يهودية لا بدّ أن يرتبط اليهود بالأرض وأنه لا شيء يربط السكان بالأرض أكثر من زراعتها". لذا فالزراعة بالنسبة إلى إسرائيل قضية عقائدية، الأمر الذي يسوق إلى القول، إنّ الحصول على المياه للتوسع الزراعي، حتى لو كانت الزراعة تسفر عن خسائر إقتصادية، هو إتجاه عقائدي.

وكانت إسرائيل اعتمدت منذ الستينات على الموارد المائية الإضافية التي سبقت العرب إليها، واستولت عليها منهم في غزواتها، لتلبية معدلات إستهلاكها المدني العالية، وتطوير زراعتها، وتنفيذ سياستها الإستيطانية. حتى أمريكا نفسها تنبهت لأطماع إسرائيل المائية في لبنان منذ أحداث 1967، عندما كتب أسعد أبو خليل في مؤلفه "أمريكا أشعلت حرب لبنان" (ص27): " اللافت أن الحكومة الأمريكية لاحظت أن الموقف الإسرائيلي من لبنان لا يتعلق بوجود الفدائيين على أرضه واليسار اللبناني، فحسب، بل إن ثمة أطماعاً إسرائيلية في لبنان... كذلك لمّح رئيس الحكومة الإسرائيلي في شهر أيلول/سبتمبر إلى أطماع إسرائيل في نهر الليطاني".



ارتباط الأرض بالهوية

لناحية مفهوم الهوية، إن عدم تمسُّك مسيحيي لبنان بعروبتهم، يُسّهل أمامهم سُبل الإستغناء عن رابط الأرض.

ففي مقارنة بين مسيحيي لبنان ومسيحيي وادي النصارى – سوريا، على الرغم مما عانوه مسيحيي وادي النصارى من مذابح ومظالم، بقوا متمسكين بأرضهم ويرفضون بيعها إلى المسلمين، ليس كرهاً بهم لكنهم متمسكون بعروبتهم وبوطنهم سوريا، ولا ينسوا أن بولس الرسول تمسحَنَ عن طريق دمشق ومنها انطلق متوثباً بالنعمة الإلهية. في حين، لا يتمسّك اللبنانيون بعروبتهم ولا بجذورهم، لأنهم إِعْتُبروا بالشكل أنهم لبنانيون، لكنهم في المضمون مختلفون في الهوية، وهذه المسألة وإن حُسِمَت، لكنها نابضة في الوجدان، فيعمدون إلى البيع خوفاً من تكرار الأحداث وهيمنة الآخرين عليهم في قراراتهم وإتجاهاتهم، وخوفاً من أن تتكرّر المذابح بحقهم. وللآخرين أهداف التمدُّد على حساب المسيحيين، وهم تاليا يملكون الخطط الإستراتيجية في وصل المناطق ببعضها لصهر القرار السياسي وفرض شروطهم على الأرض. فالفقر والخوف ليسا عاملين أساسيين للبيع. واتضح بفعل الإحصاء أن الفقراء يتمسّكون ببيوتهم وأرزاقهم، فيما الأثرياء يبيعون ويعتبرون لبنان فندقاً بخمسة نجوم، كما قال يوماً غسان تويني.



إدارة الدولة لمعضلة بيع الأراضي

من جهة أخرى، فعّل حضور ظاهرة بيع المسيحيين لأرضهم إصدار مراسيم من جانب الدولة، شجّعت على تفاقم الأزمة.

تسارعت في العام 2007 وتيرة المراسيم الصادرة عن مجلس الوزراء والتي أجازت أو أباحت للأجانب تملُّك وشراء مساحات واسعة شاسعة من الأرض اللبنانية، على الرغم من إعتراضات وإحتجاجات عدّة صدرت عن أكثر من جهّة مسيحية روحية وزمنية. وعت بعض المرجعيات المسيحية أن فقدان رابط الأرض، يُيَسِّر الطريق أمام المسيحيين، وبشكل تدريجي، إلى إنقطاع كل ارتباط بالجذور والتاريخ التي هي مصدر الحنين والصلة العضوية والنفسية والعاطفية بالكيان. هذه الظاهرة، بدت أكثر تفشياً في المناطق والأقضية ذات الأكثرية الديموغرافية – السكانية المسيحية، لا بل ويشتري هؤلاء المتموّلون الأراضي من المسيحيين، لِتُبيِّن معطيات "المركز الماروني للتوثيق والأبحاث"، أن السعوديين يأتون في طليعة المتملِّكين، ويأتي بعدهم الكويتيون والإماراتيون، ثم يليهم حملة جنسيات دول أخرى بفارق أو هامش غير كبير. فالعروضات الخليجية للشراء مغرية، ومن كان يُشَكَّك في سيرورة بقائه أو السفر من المسيحيين، تَشَجَّع لبيع أرضه لقاء مبالغ البترودولار الباهظة ومغادرة الأرض نهائياُ.



أرقام وحقائق

بلغت نسبة تملُّك المتموّلين على سبيل المثال في جبل لبنان 51 في المئة من المساحة الإجمالية. وفي قضاء المتن الشمالي، تملّكوا خمسة ملايين و767 متراً مربعاً حتى العام 2009، في حين بلغت نسبة مساحة تملُّكهم في قضاء بعبدا خمسة ملايين و436 متراً مربعاً، وهي تُقدر بحوالي 3 بالمئة من المساحة الإجمالية للقضاء. وعلى الرغم من أن القانون يسمح للأجانب بتملك 3 بالمئة من مساحة أي قضاء في لبنان، شرط أن تكون هذه المساحة صالحة للبناء، إلاّ أن الواقع أظهر العكس، إذ ترتفع في بعض المناطق لتصبح 20 أو 30 أو حتى 40 بالمئة، لأن المساحات المباعة الصالحة للبناء فيها، والتي تدخل ضمن مساحتها الإجمالية، أقل من 3 في المئة. وتحت هذه الذريعة يتمّ تملّك مساحات شاسعة واسعة، وليس ضرورياً أن تكون صالحة كلها للبناء، وإنما تكون صالحة لإستثمارات عدّة مختلفة، أو قد تكون بهدف تملّك مساحات أوسع لأهداف مبطّنة، الأمر الذي أحدث تغييراً في طابع ملكية الخارطة العقارية اللبنانية، وقد يزيل عنها تدريجياً خصائص وخصوصيات الطابع الفسيفسائي المسيحي- الإسلامي التعايشي، ويُبدل في الوقائع والهوية للخارطة العقارية، كما أنها تقطع كل إرتباط بين البائع المسيحي والوطن، ويصبح التعلق بالوطن ماضٍ وحنين.



وبفعل الفتنة المذهبية المتنقلة في منطقة الشرق الأوسط بين السُنة والشيعة، تفشّت ظاهرة شراء الأراضي من المسيحيين من جانب الطائفة الشيعية مقابل الهجمة الخليجية السنية، في العديد من المناطق اللبنانية، منها البقاع، صيدا، جزين...الخ، مما أثار الأمر حفيظة مرجعيات دينية مسيحية مرة أخرى، ورابطة الموارنة ورجال ساسة مسيحيين، حتى تحركت البطريركية المارونية مثلاً، بعد أن باعت عائلة مسيحية تلّة في الوروار في منطقة الحدث لعائلة من الطائفة الشيعية، وبدعم منها، قام عدد من المستثمرين المسيحيين بإنقاذ الوضع واستعادوا التلّة بدفع أموال باهظة.

هذا عدا عن الهجمات المتنقلة التي كانت تعود بين الفينة والأخرى الى الواجهة بين المناطق اللبنانية وما حدث في منطقة الجميلية لدى محاولة أحد المتمولين الفلسطينيين القيام بعملية شراء ممنهجة للأراضي المسيحية بأسعار مرتفعة الى بلدة جب جنين مؤخراً وقضية الوكالات المزوّرة، ووضع اليد على مساحات واسعة من الأراضي التي تعود ملكيتها الى أشخاص مسيحيين متوفين منذ أمد بعيد.



عامل الإغتراب

كما يُجمع الباحثون، أن طبيعة فكرة الإغتراب والهدف منه تختلف بين المسيحيين والمسلمين اللبنانيين.

المواطن اللبناني المسلم، إذا ما راودته فكرة هجرة أو إغتراب، فإنما تراوده بداعي العمل فقط بهدف تحسين شروط الإنتاج والتحصيل المادي، وغالباً ما يقصد بلداناً قريبة تقع ضمن حدود المنطقة العربية. وإذا ما تخطّاها إلى دول غربية بعيدة في أوروبا أو الأمريكيتين أو البرازيل مثلاً، فالهدف المركزي عنده هو الجّد والسعي والنضال لجمع عائدات هذا العمل والعودة بها تدريجياً وعلى مراحل إلى الوطن، ليستثمر ما جناه في نهضة وإنعاش قريته أو بلدته أو مدينته إجتماعياُ واقتصاديا وعمرانياً. فيما أن المسيحي يستهويه حب البقاء الأبدي في الإغتراب وليس المكوث المؤقت كما المسلم، ويتكيّف سريعاً مع طرائق الحياة والعادات والتقاليد والتأقلم مع السكان الجدد إلى حدّ الإندماج الكامل، فيبيع ممتلكاته معلناً الهجرة النهائية، وتصبح علاقته بالوطن شكلية وفولكلورية. وفي حال عودته، يبقى متأثراً إلى حدٍّ بعيد بالقيم والإنتماءات الجديدة التي إعتاد عليها في الخارج.

المسؤولية المسيحية

خلاصة القول، الأرض تمثل علاقة أصالة وتجسد الوطنية والمواطنة الحقة، ومصدر للإستمرارية والبقاء، ولدى خسارتها يفقد الإنسان هويته الوطنية وصلاته الإجتماعية والسياسية والانسانية بجذوره. قد يستجيب المرء لظروف قاهرة وقمعية في بعض المرات، إنما في المرّات الأخرى مهما كانت المراسيم مشجّعة على بيع المسيحيين لأراضيهم، فإن اللوم الأول والأخير يقع على المسيحيين أنفسهم الذين باعوا أراضيهم بإرادتهم، ومهما كانت الهجمة على شراء الأراضي ضمن سياق ديناميكية التنافس السني- الشيعي السائد في المنطقة وما لها من بُعد في جدلية العلاقة بين الأرض والسياسة، يبقى المسيحيون وحدهم المسؤولين عن تسهيل تداعيات تطبيقاتها على حضورهم في لبنان وبالتالي التلكؤ والإستهتار من المحافظة على أرض المسيح ونشأة المسيحية.

باحثة لبنانية قدمت أطروحة دكتوراه في علم الإجتماع السياسي عن المسيحيين في لبنان والمشرق
بواسطة : ADONAI
 0  0  76
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو 06:04 الثلاثاء 23 أبريل 2019.