• ×

قائمة

سمعان زكريا: بافاروتي السريان صوت من أعظم الأصوات التي انجبتها الامة السريانية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
نينوس اسعد ﺻﻮﻣﺎ بافاروتي السريان سمعان زكريا في ذمة الخلود،
وبينما انا واخوتي عنده اثناء زيارته البارحة في مشفى "ياكوبسباري" احدى ضواحي ستوكهولم مع عائلته واهله واصدقائه، كما كنّا نفعل يوميا في الايام الاخيرة، انطفأ سراج حياته المتوهج ليفارق هذه الحياة. فخيم ظلامٌ مخيفٌ وصمتٌ رهيبٌ في جنبات المشفى واروقتها الطويلة التي تحولت الى مرتع للاشباح المرعبة، بعد ان سكتت حنجرته الذهبية وانقطعت اوتار قيثارته النارية، مغادراً بروحه هذه الحياة بما فيها من أهل وأحبة وأصدقاء، فعبر جسر الحياة منتقلاً الى الجهة الاخرى ليجتمع هناك باجداده الرهاويين الذين كانوا بانتظاره بشوق للقاء به. وكان ذلك في 2019/03/19

لن ولن ارثيه بكلمات وبكاء لأن صدى صوته لا زال حياً يصدح في اسماعنا وحواسنا وسيبقى كذلك، وصورته حية في عيوننا ومخيلتنا ولن ننساها. وبسبب افضاله وخدماته فهو حي في وجدان السريان مادم هناك سريان في العالم.

الجزء الاول
الصوت الرهاوي الاصيل المغني والشماس سمعان زكريا:
ينحدر المرحوم سمعان زكريا من مدينة الرها حيث طرِد شعبها السرياني عام 1924 وغدت اليوم جزءاً من دولة تركيا الحديثة. فحمل في قلبه تراثها السرياني الغنائي وقدمه االسريان لغاية المحطة الاخيرة من حياته.
كانت الرها في تاريخها القديم مملكة آرامية سريانية تفتخر بملوكها السريان العظماء "أريو" و"ابجر" و"معنو" (حكمها حوالي عشرة ملوك باسم ابجر وعشرة ملوك باسم معنو). كما كانت مدينة الادباء والشعراء والموسيقيين الآراميين السريان مثل برديصان وافرام السرياني ورابولا الرهاوي ويعقوب السروجي ويعقوب الرهاوي وغيرهم من عظماء المثقفين ورجال الفكر السرياني. كما انجبت لنا في القرن العشرين صوتا رهاويا اصيلا ولكن هذه المرّة ولدته في حلب المدينة التاريخية العظيمة والمشهود لها بالموسيقى والاصوات الجميلة والكبيرة، وكان هذا الصوت عطية من الله الى الشعب السرياني ﺑﻜﻞ طوائفه، انه الفنان والمطرب الكبير والشماس القدير سمعان زكريا.
ولد سمعان زكريا في حلب عام 1937 وترعرع فيها من اسرة تملك الحس الموسيقي ومحبة الغناء، فوالده باسيل كان عازف طبلة ﻓﻲ ﺣﻠﺐ وكان يتقن الغناء التركي، اما والدته زكية فكانت تملك صوت عذباً ولكنها لم تغني خارج دائرة بيتها، فلا عجب ان يملك الفتى سمعان صوتاً صداحاً اذهل رواد الكنيسة عندما صعد الى الهيكل ليخدمه وهو صغير السن، وعندما رافق والده في حفلاته آنذاك بوصلات موسيقية تركية صغيرة الى ان بلغ الثانية عشرة من عمره ليصبح مطرباً يغني ﻭﻳﻘﻴﻢ الحفلات وحده، وشماساً مداوماً على خدمة مذبح الرب الى أن بلغ الخامسة عشرة من عمره ﻓﻲ ﻋﺎﻡ 1952 فرسمه مطران حلب المتنيّح جرجس بهنام شماساً بدرجة "قورويو" (قارىء).
تتلمذ سمعان زكريا الشماس وتعلّم على ايدي كبار الكهنة والشمامسة الرهاويين آنذاك ﺍﻟﻤﺸﻬﻮﺩ ﻟﻬﻢ ﺑﺄﺻﻮﺍﺗﻬﻢ ﺍﻟﺮﺍﺋﻌﺔ ﻭﺑﺈﺗﻘﺎﻧﻬﻢ الالحان ﺍﻟﻜﻨﺴﻴﺔ السريانية ﻭﺍﻟﺘﺮﻛﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻄﺮﻳﻘﺔ ﺍﻟﺮﻫﺎﻭﻳﺔ امثال: المرحوم القس حبيب توكمجي، المرحوم القس اداي توما، المرحوم الشماس حنا طحان، المرحوم الشماس ابراهيم توكمجي، المرحوم الشماس يوسف كوسا، المرحوم الشماس عبدالغني شماس. وتعلم على ايديهم التضرعات (التخشفتات) الصعبة الآداء وألحان صلوات القداديس، والكثير من التراتيل بالسريانية والتركية وطرق آدائها وخاصة من الكاهن حبيب توكمجي وتسجيلاته حيث كان متأثراً باسلوبه الرهاوي الصرف. كما أنه تعلم بعضاً من الحان كتاب "بيث كازو دقينوثو" (كتاب مخزن الالحان الكنسية) خاصة من تسجيلات المتنيح البطريرك اغناطيوس يعقوب الثالث.
أنتقل الشاب ﺳﻤﻌﺎﻥ زكريا ﺍﻟﻰ ﻟﺒﻨﺎﻥ واستقر في بيروت عام 1959 ومارس نشاطه الموسيقي الكنسي واصبح معروفاً بصوته المقتدر لدى العائلات الرهاوية، فكان يقيم حفلاتهم وسهراتهم باللغات السريانية والتركية والعربية.
وﻓﻲ ﺍﻟﻨﺼﻒ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﻣﻦ ﻋﺎﻡ 1972 اجتمع بعض الشباب السريان الناشطين من مختلف الطوائف السريانية ﻓﻲ ﻟﺒﻨﺎﻥ بقيادة الموسيقار اﻟﺴﺮﻳﺎﻧﻲ ﺍﻟﻜﺒﻴﺮ نوري اسكندر (المقيم الان في السويد، أطال الله بعمره)، والشاعر ﻭﺍﻟﻘﻴﺎﺩﻱ احو الخوري (المقيم في الان في كندا، اطال الله بعمره)، والحلبي المختص بموسيقى الموشحات ورقصات السماح المرحوم الاستاذ ﺑﻬﺠﺖ ﺣﺴﺎﻥ، والمايسترو والملحن المرحوم رفيق حبيقة مع اوركسترا الاذاعة والتلفزيون بقيادته، وضيف الشرف كبير لبنان العظيم المرحوم وديع الصافي، وسمعان زكريا ﺍﻟﻤﻄﺮﺏ صاحب الصوت الرهاوي الاصيل، والشماس القدير وصاحب الصوت العظيم المرحوم يوسف افرام، وربير بهنام الملقب ب توم جونز لبنان آنذاك، مع سامية خوري السريانية المارونية صاحبة الصوت القوي والدافئ، وشميرام سلمون المؤدية للاغاني التراثية السريانية باللهجة الشرقية. ليقيموا اكبر مهرجان موسيقي ﻓﻲ تاريخ السريان، وذلك ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺮﺡ قصر ﺍﻟﻴﻮﻧﺴﻜﻮ في ﻟﺒﻨﺎﻥ ﻋﺎﻣﻲ 1973 ﻭ1974. فبرز وبقوة كبيرة المطرب سمعان زكريا باﺩﺍئه الرائع للاﻏﺎﻧﻲ ﺍﻟﺴﺮﻳﺎﻧﻴﺔ ﺑﺎﻟﻠﻬﺠﺘﻴﻦ ﺍﻟﺸﺮﻗﻴﺔ ﻭﺍﻟﻐﺮﺑﻴﺔ، ومواﻭيله السريانية والعربية التي اصبحت لاحقاً مدرسة ﻳﻨﻬﻞ ﻣﻨﻬﺎ معظم المطربين ﺍﻟﺴﺮﻳﺎﻥ، ولمقدرته الهائلة في آدائه للموشحات الاندلسية ﻟﻴﺼﺒﺢ حديث الساعة وتحت اضواء الصحافة السريانية واللبنانية آنذاك.
ولأول مرة يغنّى بالتلفزيون اللبناني باللغة السريانية كان عام 1973 قبل عرض مهرجان اليونسكو في برنامج للراحل رياض شرارة حيث غنّى المطرب سمعان زكريا بالسريانية ﻭﺍﺫﻫﻞ ﺍﻟﻤﺸﺎﻫﺪﻳﻦ ﻭﺍﻣﺘﻌﻬﻢ ﺑﻐﻨﺎﺋﻪ ﻭﺑﺼﻮﺗﻪ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ.
فقرر حينها البطريرك يعقوب الثالث ان يرقي سمعان زكريا الشماس الى رتبة افدياقون ﻟﺨﺪﻣﺘﻪ ﺍﻟﻜﻨسية ﺍﻟﻄﻮﻳﻠﺔ ﻭﻟﺤﺮﺻﻪ ﺍﻟﺸﺪﻳﺪ ﻋﻠﻰ ﻣﻮﺍﺻﻠﺔ ﺧﺪﻣﺔ ﺍﻟﻬﻴﻜﻞ ﻭﻟﻤﻘﺪﺭﺗﻪ ﺍﻟﺼﻮﺗﻴﺔ ﻭاتقانه ﺍﻻﻟﺤﺎﻥ ﺍﻟﻜﻨﺴﻴﺔ، فأقيمت مراسيم احتفال ﺭﺳﺎﻣﺘﻪ سنة 1974 في بيروت ليترقى الشماس سمعان زكريا الى رتبة افدياقون. وقد عُرِض عليه مرات وبفترات متفاوتة في لبنان والسويد أن يرسم شماساً انجيلياً لكنه كان يرفض هذه الرتبة ويقول انني لا استحقها.

وتتالت حفلات ﺍﻟﻤﻄﺮﺏ ﺯﻛﺮﻳﺎ ﺑﻌﺪ ﻣﻬﺮﺟﺎﻥ ﺍﻟﻴﻮﻧﺴﻜﻮ في النوادي والمؤسسات السريانية في القاﻋﺎﺕ الكبرى والفنادق ﺍﻟﻔﺎﺭﻫﺔ اللبنانبة ﻟﻴﺼﺒﺢ ﺍﻟﻤﻄﺮﺏ ﺍﻻﻭﻝ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﺴﺮﻳﺎﻧﻲ، وكما اصبح الشماس الاول في ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﺴﺮﻳﺎﻧﻲ الذي يدير بمعرفة مذهلة الحان القداديس في الكنيسة السريانية، لهذا لقب لاحقاً بمهندس ألحان القداديس الاول في العالم السرياني.
بعد تسجيلاته ﻓﻲ مهرجان قصر ﺍﻟﻴﻮﻧﺴﻜﻮ واسطواناته لاغانيه السريانية الخاصة سجل في حلب ﻣﻦ أﻟﺤﺎﻧﻪ ﻭﻛﻠﻤﺎﺕ ﺍﻟﺸﺎﻋﺮ (المرحو) ﻧﻌﻤﺎﻥ ﺣﻴﺪﺍﺭﻱ في ﺳﻨﺔ 1976 ﻛﺎﺳﻴﺖ ﻳﺤﺘﻮﻱ ﻋﻠﻰ مجموعة ﺍﻏﺎﻧﻲ ﺳﺮﻳﺎﻧﻴﺔ ﻟﻢ ﺗﻨﺎﻝ ﺍﻟﺸﻬﺮﺓ ﺍﻟﻤﻨﺎﺳﺒﺔ.
دعي ﺍﻟﺸﻤﺎﺱ ﺯﻛﺮﻳﺎ الى تسجيلات قداديس ﻛﺜﻴﺮﺓ ﺑﺎﻟﺴﺮﻳﺎﻧﻴﺔ ﻭﺫﻟﻚ ﻟﺼﻮﺗﻪ ﺍﻟﻤﺘﻤﻜﻦ ﻭﻟﻤﻬﺎﺭﺗﻪ في ﺍﻻﻟﺤﺎﻥ ﺍﻟﻜﻨﺴﻴﺔ وكان اهم ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺘﺴﺠﻴﻼﺕ:
1- قداس مع القس (المرحوم) كبرييل القس آحو القادم من مدينة القامشلي في زيارة الى لبنان عام 1977 ومع الشمامسة يوسف افرام وصبري مسعود.
2- قداس خاص جدا مسجل للإذاعة اللبنانية سنة 1982 اقامه المطران (المرحوم) افرام بولس مع الكهنة: القس الموسيقار بول ميخاييل والقس يعقوب توما والشماس صبري مسعود.
3- قداس ﺳﻨﺔ 1982 في ﺣﻠﺐ مع القس شكري توما مع الشمامسة يعقوب طحان وابراهيم بربر.
4- قداس سنة 1983 ﻓﻲ ﺑﻴﺮﻭﺕ مع القس شكري توما ومع الشمامسة يوسف افرام، صبري مسعود وباسيل زكريا (الان الخوري باسيل زكريا وهو مقيم في السويد).
5- عشرات القداديس في مختلف الكنائس السريانية بالسويد كانت تسجل خلال إقامة القداديس خاصة في كنسية القديس بطرس في ستوكهولم.
6- قداس في سنة 2002 مع القس كبرييل القس متى اثناء زياته الى القامشلي ويرافقه المطرب المرحوم جان كارات والشماس جان حبو.

- دعاه ﺍﻟﺒﻄﺮﻳﺮﻙ (المرحوم) ﺯﺍﻛﺎﻱ ﺍﻻﻭﻝ ﺳﻨﺔ 1982 ﻟﻤﺮﺍﻓﻘﺘﻪ ﻓﻲ ﺯﻳﺎﺭﺗﻪ ﺍﻟﺮﺳﻮﻟﻴﺔ ﺍﻻﻭﻟﻰ ﺍﻟﻰ ﺗﺮﻛﻴﺎ ﺍﻟﺘﻲ ﺩﺍﻣﺖ ﺷﻬﺮﺍ ﻛﺎﻣﻼ، ﻭﻗﺪ ﺍﺛﻨﻰ على ﺍﻟﺸﻤﺎﺱ ﺯﻛﺮﻳﺎ ﺑﻌﺪ ﻋﻮدﺗﻬﻢ ﺍﻟﻰ دمشق ﻛﺜﻴﺮﺍً ﻭﻗﺎﻝ ﻟﻪ: ﻟﻘﺪ ﺭﻓﻌﺖ ﺭﺃﺳﻲ ﻋﺎﻟﻴﺎ ﻓﻲ ﺗﺮﻛﻴﺎ.

- قدم سمعان زكريا المطرب وﺍﻟﺸﻤﺎﺱ ﺍﻟﻰ السويد سنة 1985 واستقر في ستوكهولم مع عائلته وثلاثة بنينه (تيودور، بيير، وباسكال)، واستمر في مشاركاته بالحفلات التي كانت تقيمها الكنائس والنوادي السريانية في مختلف مدن السويد، وفي خدمة مذبح الرب حيث شكّل ثنائياً رهاوياً فريداً ورائعاً استمر لمدة خمسة وثلاثون سنة مع الخوري منير بربر كاهن كنيستنا السريانية في ستوكهولم المشهود له بالصوت الحسن والآداء الجيد وباتقانه الالحان الكنسية وخاصة الرهاوية منها.
- بعد سنة من قدومه الى السويد اي في 1986 تم تسجيل كاسيت من الحان الموﺳﻴﻘﺎر (الكاهن لاحقاً) الاب جورج شاشان ومن كلمات الشاعر المخضرم جورج شمعون، وكان المشروع من انتاج النادي السرياني في منطقة نورشبوري ستوكهولم وكانت اغلب كلمات الاغاني محفزة لحب الوطن والارض واللغة والكنيسة ﻭﺍﻟﺮﻣﻮﺯ ﺍﻟﻘﻮﻣﻴﺔ.
- قام سمعان زكريا بتلحين العديد من الاغاني التي غناها لاحقاً في كاسيت انتجه على حسابه الخاص وحوى نصوص لشعراء عدة.
- قام بتلحين عدة نصوص كنسية باسلوب يحوي الروح الرهاوية الاصيلة وكان اشهرها الصلاة الربانية (آبون دبشمايو)، والتي تنشد في كل كنائس السريان في العالم اليوم.
- نشر كاسيت صلوات متفرقة باللغة السريانية في ستوكهولم.
- نشر سي دي تضرعات بالسريانية (تخشفتات) معظمها بالاسلوب الرهاوي في ستوكهولم.
- نشر سي دي صلوات باللغة التركية (ستوكهولم).
لكن اهم ما نشره كانت إنتاجات كنسية توثيقية وتعليمية بطريقة السمع بين 2012 و 2014
سننشرعنها باستفاضة في الجزء الثاني والاخير عن حياة واعمال بافاروتي السريان سمعان زكريا.

ولنا لقاء في الجزء الثاني من هذه المقالة
نينوس اسعد ﺻﻮﻣﺎ
بواسطة : ADONAI
 0  0  202
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو 06:14 الثلاثاء 16 يوليو 2019.