• ×

قائمة

الأكيتو الآشوري، عيد (الطبيعة و الآلهة و الأنسان)

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
anaueen.com سليمان يوسف الأول من نيسان القادم ٢٠١٩ يوافق بداية العام الآشوري (السومري – الأكادي – البابلي ) الجديد ٦٧٦٩ آ . هذا اليوم يعرف لدى الآشوريين بـ (عيد الأكيتو). (أكيتو) كلمة (سومرية) تعني( البيت الريفي – بيتو أو بيتا )، المكان الذي كانت تقام فيه احتفالات العيد بين أحضان الطبيعة. الأكيتو ليس (عيداً دينياً مسيحياً) كما يعتقد و يظن البعض. أنه اقدم الأعياد في تاريخ الشرق القديم. يعود الاحتفال به الى منتصف الالف الثالث قبل الميلاد في مدينة “أور” السومرية (جنوب بلاد ما بين النهرين). الآشوريون (سرياناً كلداناً)، ورثة الحضارة ( السومرية – الأكادية- البابلية) في (بلاد ما بين النهرين- بلاد آشور)، يحتفلون بعيد الأكيتو(عيد رأس السنة البابلية- الآشورية)، كأحد ابرز و أهم أعيادهم القومية. تحديد بداية العام في الأول من نيسان، مع تجدُّد دورة الحياة في الطبيعة، جاء تعبيرًا عن ضوابط الفعل (الاجتماعي ، الاقتصادي ، السياسي ، الديني) في المجتمعات القديمة في بلاد ما بين النهرين . بهذا المعنى، شكل التقويم (السومري – الأكادي) ، لاحقاً (البابلي- الآشوري)، مرحلةَ انعطاف تاريخية هامة في حياة تلك المجتمعات القديمة، من هنا تبرز الأهمية التاريخية للاحتفالات بعيد الأكيتو ، التي كانت تستمر اثنا عشر يوماً، بمشاركة كافة طبقات و فئات الشعب. احتفالات الأكيتو، كانت تنطلق صباح الأول من نيسان، تبدأ بتطهير النفوس من قبل الكهنة و تلاوة الطقوس و تقديم الهدايا للملوك و إقامة مراسيم (الزواج الجماعي)، و السجود للآلهة و التبرك منها و تقديم الأضاحي و الطلب الغفران منها والدعاء اليها لحماية (الشعب والدولة ).
ملحمة (الخلق والتكوين) البابلية “إينوما إيليش”، تعني (هناك في الأعالي)، أقدم الأساطير الملحمية في التاريخ، كانت تُقدَّم على شكل “مسرحية الآلام “، في اليوم الرابع من الاحتفالات بعيد الأكيتو. حيث كانت تبلغ ذروتها بإعلان قيامة الاله “مردوخ” سيد آلهة بابل، أخذ أسم “إله آشور” في نينوى، من الأموات في اليوم الثالث وبانتصاره على قوى الظلم و الشر(التنين تياما) و بزواجه من الآلهة “عشتار”، آلهة الخصب و الحياة و الجمال، و تتويجه من جديد (الهاً ملكاً) على الكون. بهذا المعنى، يعتبر الأكيتو بحق عيد (الطبيعة والآلهة والإنسان) معًا. احتفالات الأكيتو كانت تُختتم بمسيرات احتفالية تطوف حول معبد سيد الآلهة (مردوخ- آشور). تماماً ، كما يطوف اليوم حجاج المسلمين حول الكعبة. معبد الآلهة موجود في بابل الأثرية، يُعرف بـ” الزقورة البابلية”. في احتفالات الأكيتو ، كان يبرز الإله “مردوخ – آشور” الإله القومي للبابليين الآشوريين ، كـ “مخلِّص” عظيم للإنسان. هذه إشارة واضحة بأن فكرة “تجسد الله” بصورة (إنسان – يسوع المسيح) و بروزه كـ”مخلص للإنسان من الخطيئة الأولى “، التي تشكل جوهر (العقيدة المسيحية)، و الاحتفال بذكرى انتصار (الإله المسيح)على قوى الشر و انبعاثه للحياة من جديد في اليوم الثالث بعد صلبه من قبل اليهود، تعود بجذورها الى الميثولوجيا الأكادية(البابلية – الآشورية)، التي تركت بصماتها على (الفكر الديني والعقائد الدينية) في الشرق القديم.

بعد اعتناق الآشوريين للمسيحية ، تخلوا عن (الطقوس والشعائر) الوثنية، المصاحبة للاحتفالات بعيد الأكيتو. لكنهم تمسكوا بهذا العيد العريق و حافظوا عليه بما له ويحمله من قيم و دلالات إنسانية حضارية يعتز بها الشعب الآشوري. احتفالات الآشوريين بعامهم الجديد(عيد الأكيتو) باتت تقتصر على الخروج الى أحضان الطبيعة و إقامة المهرجانات الشعبية الاحتفالية(دبكات رقص ولوحات فنية ) مستوحاه من (التراث الآشوري) العريق، و إعداد المأكولات التقليدية التراثية. بعض السنوات يتخلل الاحتفالات، حفل خاص (بعقد قران زواج جماعي) بين شبان و شابات ،وفق الطقوس المسيحية. من العادات الشعبية المتوارثة عن تقاليد عيد الأكيتو، الآشوريون في الريف مازالوا يخرجون في صباح الاول من نيسان للحقول ليغسلوا وجوههم بالندى المتجمع على الزروع، اعتقاداً منهم بأن (ندى نيسان) يعطي نضارة للوجه و يشفي من الأمراض و يحمل البركة والخير لمن يغتسل به.

بسقوط الدولة (الآشورية – البابلية) على يد (كورش) الفارسي سنة ( 539 ق. م ) و احتلال (الفرس) لبلاد ما بين النهرين، أخذت (الشعوب الإيرانية) في بلاد فارس، (الفرس ،الكرد ،الآذاريين ،البشتون، و غيرهم)، عيد الأكيتو عن (البابليين – الآشوريين)، و بدأت تحتفل به باسم(عيد النوروز أو النيروز في 21 آذار) ،يعني (اليوم الجديد )، و يعرف بـ”رأس السنة الفارسية”، و هو يوم الاعتدال الربيعي(يتساوى فيه الليل والنهار). و عن الفرس انتقل عيد النوروز، أو بالأحرى (عيد الأكيتو)، الى شعوب و أقوام ومناطق أخرى في غرب أسيا، مثل (تركمانستان وطاجيكستان وأوزبكستان وقرغيزستان وكازاخستان) ولاحقاً تركيا. (المصريون الفراعنة) يحتفلون بعيد الأكيتو باسم عيد ( شم النسيم). كذلك، يحتفل به الايزيدييون باسم (سري صال – راس السنة ) في الأربعاء الأول من شهر نيسان، يسمونه عيد ( الملك طاووس ) (إله الايزيديين)، المقتبس من الاله (تموز). كذلك يحتفل بعيد الأكيتو ( الصابئة المندائيين والمانيين) (نسبة الى نبيهم ماني)، وهذه اقوام قديمة تتحدر من أصول( أكادية – بابلية – آشورية ) . “الأكيتو”، المرتبط بتجدد الحياة و الخصب في الطبيعة، لقرون طويلة كان (عيداً عالمياً) تحتفل به الكثير من شعوب المنطقة و العالم، و إن بأسماء و مواعيد مختلفة، قبل أن يتحولوا الى الاحتفال ببداية (العام الميلادي) الجديد، في الأول من (كانون الثاني)، بعد تحول الكثير من شعوب العالم الى المسيحية.

رغم عسف النظام العروبي الدكتاتوري في سوريا و استمرار سلطاته و أجهزته الأمنية بمضايقة و ملاحقة و اعتقال نشطاء وسياسيين آشوريين، لثني أبناء (القومية الآشورية) عن الاحتفال بعيد الأكيتو ، أصر الآشوريون السوريون (سرياناً كلداناً) على الاحتفال بعيدهم القومي (رأس السنة الآشورية- البابلية)، بل عسف النظام، زادهم تمسكاً بأعيادهم ومناسباتهم القومية و بتراثهم العريق، و أعطوها بعداً (سياسياً وطنياً) ليؤكدوا من خلال الاحتفالات على خصوصيتهم التاريخية و على هويتهم الآشورية و لتسليط الضوء على (القضية الآشورية)، و هي جزء من القضية الوطنية السورية العامة. الآشوريون السوريون لا يجدون معنى و لا قيمة لأي تغير يحصل في سوريا ، مالم يقر الدستور الجديد للبلاد بالآشوريين كـ(شعب سوري اصيل) و يعترف بخصوصيتهم الثقافية و اعتبار (اللغة السريانية) (لغة وطنية لسوريا الجديدة) الى جانب العربية، كما كانت (لغة وطنية لسوريا القديمة) التي أخذت اسمها عن (السريان الآشوريين) . دستور وطني ديمقراطي ، يشرعن عيد “الأكيتو” (عيدًا وطنياً سورياً) كما كان في الماضي، بأصوله و جذوره. كما هو معلوم، انتقل عيد الأكيتو إلى سوريا التاريخية أو (الكبرى) مع توسع (الامبراطورية البابلية- الآشورية) و ضمها معظم الأقاليم السورية و منطقة الشرق الأدنى و مصر . تجذرَ عيد الأكيتو في الثقافة و التقاليد السورية الأصيلة، بفضل التمازج بين الثقافة الآشورية(السريانية) و ثقافة الآراميين، سكان سوريا الأوائل. في بعض المناطق السورية، يحتفل السوريون بعيد الأكيتو باعتباره( عيد راس السنة السورية). من المقرر أن ترعى (وزارة السياحة السورية) في نيسان القادم احتفالاً بعيد (الأكيتو) بصفته( راس السنة السورية) في بلدة (جبعدين) وهي بلدة آرامية سريانية عريقة أهلها غالبيتهم مسلمون يتحدثون الآرامية القديمة، كما هو حال بلدة (معلولا) الآرامية السريانية. أخيراً : نأمل أن يحمل (العام الآشوري الجديد – ٦٧٦٩ – عيد الأكيتو) الأمن و السلام و الاستقرار للوطن السوري الجريح .
بواسطة : ADONAI
 0  0  159
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو 15:43 الخميس 17 أكتوبر 2019.