• ×

قائمة

كنيسة الأربعين شهيداً في حلب تقرع أجراس العودة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
اليوم الثالث سركيس قصارجيان يقف "نوبار" أمام ذلك الصرح الحجري الذي يتوسط صدر إحدى الحارات المسقوفة في حلب القديمة والمسماة من قبل أهلها بـ"العبارة"، مراقباً الحدث الأسعد على قلبه والمتمثل بإعادة افتتاح "كنيسة الأربعين شهيد".

"فرحتي اليوم، تشبه سعادتي حين دخولي من هذا الباب الحديدي عازباً قبل أكثر من أربعين عاماً والخروج برفقة زوجتي، التي لم يقدر الله لها رؤية هذه الأيام"، يقول الرجل ذو الأعوام الـ 67 المعروف بلقب أبو ناظو نسبة إلى ابنه البكر نظار.



كنيسة الأربعين شهيد، التي تحتل مكانة قيَمة في وجدان السوريين الأرمن، تعتبر من أقدم كنائس المدينة التابعة لأبرشية حلب وتوابعها للأرمن الأرثوذكس، ما منحها لقب "الكنيسة الأم" باللغة الأرمنية، في موقع مواجه للمطرانية الأرمنية الأكبر من حيث عدد أبنائها في سورية.

بأحجارها الكبيرة المرصوفة باتقان، وقناطرها الموزعة يميناً ويساراً عبر الرواق المؤدي إلى المذبح، وقاعاتها المحيطة بساحتها الأمامية داخل البهو والخلفية، تشكل الكنيسة قطعة نادرة من الفسيفساء المكون للوحة حلب القديمة، العريقة بتاريخها، والغنية بكنائسها ودور عبادتها في مركز المدينة الهامة في الشمال السوري.

تعرضت الكنيسة الأثرية، المستمدة اسمها من الجنود الأربعين الذين استشهدوا في سبسطية لتمسكهم بايمانهم المسيحي في وجه الامبراطور الروماني ليسينيوس المضطهد للمسيحية في الشرق حسب الرواية التاريخية للكنيسة الشرقية في القرن الرابع، للتخريب والدمار وأغلقت أبوابها للمرة الأولى في تاريخها أواخر عام 2012 بعد أن تحولت إلى خط تماس مواجه للمناطق التي سيطرة عليها المسلحون المتطرفون في المدينة القديمة، ليحرم المؤمنون من رعيتها والمواظبين على برامجها الثقافية من ارتيادها للمرة الأولى منذ أكثر منذ قرون.



الهجوم التكفيري على الكنيسة

يقول نوبار إنه "عندما سمع شباب الحي عن اقتراب التكفيريين من منطقة الكنيسة، هبوا لنجدتها خوفاً من أن تلقى مصير كنائسنا في دير الزور والرقة أو حتى كنيسة القديس كيفورك لاحقاً في حي سليمان الحلبي التي دمرت واحرقت بشكل همجي".

وأضاف "على الرغم من قلة عددهم ومحدودية امكانياتهم الا أن هاجس خسارة هذه الكنيسة التي كانت قبلة الأرمن في سورية وخارجها لعقود مضت شكل الدافع الأكبر لدى هؤلاء الشبان، والحمد لله أن التكفيريين لم يتمكنوا من الاقتراب من أسوارها، بل اكتفوا فقط باستهدافها بالقذائف والصواريخ واسطوانات الغاز".



صرح ثقافي

صمدت الكنيسة الواقعة في شارع "سوق الصوف" ضمن الأسواق القديمة في منطقة "بوابة القصب" التاريخية والملاصقة لشقيقتها "كنيسة السيدة" للروم الأرثوذكس أمام الاستهدافات المتلاحقة خلال أعوام الحرب، لتقتصير الأضرار على سورها الخارجي وأسقف عدد من الصالات الثانوية.

"بعد تحرير المدينة، كانت الأولوية بالنسبة لنا اعمار المدارس وعلى رأسها الثانوية السورية الخاصة بمرحلتيها الدراسيتين، وكنا قد شرعنا خلال سنوات الحرب في المساهمة بمساعدة الأهالي باعادة اعمار منازلهم المدمرة ومحالهم المهدمة"، تقول المحامية نورا قراجيان، عضو المجلس التنفيذي لأبرشية حلب وتوابعها للأرمن الارثوذكس في حديثها لموقع "اليوم الثالث"، و"من ثم تم اتخاذ القرار بضرورة اعادة ترميم الكنيسة الأم وهو ما حصل بفضل الله وهمة أبناء الطائفة".

وتشرح نورا أنه "عندما تسمع باسم كنيسة الأربعين شهيد، ستتخيل للوهلة الأولى أن الحديث يدور حول دار عبادة عمره أكثر من 500 عام وهو صحيح لكنه نصف الحقيقة، أما الحقيقة الكاملة فهي أن هذه الكنيسة التي احتوت أيضاً على رسومات فنية لها قيمة تاريخية كبرى ومتحفاً كنسياً احتوت عشرات المخطوطات القديمة والمقتنيات الشخصية للمطارنة الأرمن في سورية على مر العصور، وشكلت أيضاً مركزا تنويرياً ثقافياً لأبناء الطائفة وللحلبين عموماً".

وأشارت إلى أن "الصالات الموجودة في الكنيسة كانت موزعة بين مركز لأكاديمية الرسم وأخرى للمسرح وثالثة للفرقة السيمفونية ورابعة للأدب والقراءة بمكتبتها الغنية، اضافة إلى المسرح الشهير في البهو الخلفي المشترك مع مدرسة الأمجاد الابتدائية، والذي استضاف آلاف العروض المسرحية والفنية والراقصة والفعاليات الثقافية في السنوات الماضية، ومدرسة الأحد الروحية لتلقين تعاليم الدين المسيحي للأطفال".

وأكدت قراجيان أن "الأربعين شهيداً كانت نموذج الكنيسة الوطنية الأرمنية بامتياز، لذلك لها مكانتها الخاصة في الوجدان الأرمني ليس فقط في سورية، وإنما بالنسبة لكل الأرمن المنتشرين في أصقاع العالم".

وتم اعادة افتتاح الكنيسة بعد الانتهاء من أعمال الترميم يوم السبت 30 آذار باحتفال مهيب ترأسه صاحب القداسة الكاثوليكوس آرام الأول كاثوليكوس بيت كيليكيا للأرمن الأرثوذكس ورجال الدين المسيحي والاسلامي والشخصيات الرسمية والشعبية في المدينة وجمهور غفير من رعية الكنيسة والفعاليات الثقافية والاعلامية من أبناء حلب.



التأثير الإيجابي على المعنويات

من جهته بين عضو مجلس الشعب السوري جيراير ريسيان لموقع "اليوم الثالث" أنه "كما أن قلعة حلب رمز لعراقة هذه المدينة كذلك فإن كنيسة الأربعين شهيداً التي تعتبر من أقدم كنائس حلب إن لم تكن أقدمها حيث يعود تاريخها إلى القرن الحادي عشر من أهم رموز التواجد الأرمني في سورية وتجذرهم".

وأضاف "وهذه الأهمية لا تقتصر بالنسبة للسوريين الأرمن فحسب بل إن أجداد العديد من الأرمن المنتشرين في بقاع العالم قد مروا بهذه الكنيسة إن كان على طريق قوافل الحج إلى بيت لحم أو بعد النجاة من الابادة الجماعية الأرمنية".

ورأى ريسيان أن " اعادة افتتاح هذه الكنيسة الأم سيكون لها أثرها الكبير في رفع معنويات الناس في حلب من الأرمن وغيرهم إضاغة إلى أن قرع أجراسها مجدداً هو بمثابة نداء للجميع للعودة إلى وطنهم وبيوتهم"، مشدداً على أن "كافة أعمال الترميم تمت بأيدي مهندسين وفنانين محليين".

وتحتضن ساحة الكنيسة نصباً تذكارياً لشهداء الابادة الجماعية الأرمنية في جهتها الشمالية، وآخراً لذكرى شهداء "دارون" (أحد ولايات هضبة أرمينيا الغربية) في الجهة الشرقية من الباحة.



بخطوات صغيرة وثقيلة يقترب "العم أبو ناظو" من باب الكنيسة متمتماً بكلمات شكر للرب على رؤيته لهذا اليوم راسماً إشارة الصليب على وجهه، وهو يروي بابتسامة عريضة عن "انتظاره لقدوم ابنه المغترب في أوروبا مع حفيده نوبار لتعميده في جرن كنيسته المحببة، تنفيذاً للوعد الذي قطعه على نفسه بموافقة إبنه عند تسلمه نبأ ولادة حفيده الأول قبل سنتين"...

صحافي سوري يراسل "اليوم الثالث"
بواسطة : ADONAI
 0  0  292
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو 02:17 الأربعاء 11 ديسمبر 2019.