• ×

قائمة

الكشاف الكنسي في سوريا: استمرارية في زمن الحرب

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
اليوم الثالث يرتبط الكشاف في العالم بشعار واحد "كن مستعداً" في تعبير عن التأقلم والابداع لدى الإنسان والجماعة الكشفية، لكن في سوريا لم يدرك الكشافة أن استعدادهم سيكون ضمن تحديات مواجهة الأزمة والحرب على بلادهم، ليتغير أسلوب عملهم بحكم الظروف الامنية والاقتصادية، وليتأثروا ويأثروا في فاعليتهم ونشاطهم على الارض.



تحدي البقاء

لا حاجز يقف لناظر من أمام كنيسة سيدة دمشق نحو حي جوبر الدمشقي، في منطقة كانت طول السنوات السابقة خط تماس للمعارك، فآثار المواجهات واضحة إن كان أثر الرصاص والقذائف واسماء الضحايا والجرحى، الأمر الذي استدعى تبديلاً جذرياً في نشاطات الكشافات والاخويات في الكنيسة، ليصبح توقيت اللقاءات على توقيت حدة الاشتباكات ومدتها. ديا الديك قائدة فرقة فرسان المحبة في كنيسة سيدة دمشق، تشير لموقع "اليوم الثالث" إلى التحديات التي واجهتهم وبشكل خاص هاجس الإستمرارية في العمل، فتقول إن "أولى التحديات هي المحاربة للبقاء، في ظل تساقط قذائف الهاون على الكنيسة ومحيطها في أي لحظة، وتواصل نزيف العائلات بسبب السفر، إضافة للظروف النفسية القاسية على الفتيان والفتيات في الكشاف"، وتكمل موضحة عن انعكاسات الحرب على عملهم، أنه "مرت سنوات توقفت خلالها المخيمات وجولات الكنائس في الاعياد، كما تم إلغاء الاجتماعات مع أبناء الفرقة، مما استدعى التأقلم مع حصرية العمل في المكان، وفي زمن قصير وغير متواصل. فالاولوية حينها أن نساعد بعضنا لتخفيف ضغوط الحرب، من خلال التنظيم الاداري المناسب للظروف، والسعي لتأمين جلسات ولقاءات نفسية واجتماعية مع اختصاصين وكهنة الرعية، وهي أمور ليست بهدف الحل وإنما لايجاد أبسط الامور لمساندة بعضنا".

إن كانت نار الحرب أحاطت بكنيسة سيدة دمشق في العاصمة السورية، فهي وصلت في حمص إلى داخل كنيسة السيدة العذراء أم الزنار، وأدت إلى دمارها بامتداد للدمار الجسدي والنفسي والاجتماعي الذي أصاب سكان المدينة. باسل الحداد قائد الفرقة الكشفية لكنيسة السيدة العذراء، التابعة لمطرانية السريان الارثوذكس في حمص، يتشارك مثل باقي الكشافات في أزمة إلغاء التدريبات والاحتفالات واللقاءات كون الحالة الامنية غير مستقرة، ولكن الازمة الاكبر، خروجهم من حمص القديمة نتيجة المعارك والتهجير الذي تعرض له سكان المدينة. ويقول باسل "لقد انقطع التواصل بشكل مباشر واقتصر على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي مرحلة لاحقة تم تهجير الناس من حمص القديمة لتستمر فقط روابط الصداقة بين بعضنا خلال 4 سنوات، وكل شخص توجه لمكان إلتحق بأحد الكنائس، وقدم امكانياته وقدراته الكشفية". ويضيف أنه في عام 2014 "دخلت حمص القديمة في مرحلة جديدة بعد خروج المجموعات المسلحة منها، قائلاً "بعد عودتنا إلى المدينة سنة 2014، الازمة كانت مستمرة في محافظة حمص عدا حمص القديمة، واتجهنا إلى إعادة انطلاق الفرقة الكشفية، مع صعوبات كبيرة تتعلق بأساس الفرقة وعملها، منها مشكلة سفر الشباب وتدمير مقر الكشاف في الكنيسة، والمواصلات للناس البعيدين عن حمص، فكان حي انعدمت فيه الحياة، ومع الوقت أعدنا بناء الكشاف بالتعاون مع المطرانية والداعمين".



الإرتباط بهوية المدينة

تكامل دور الحركة الكشفية في سوريا منذ الإستقلال مع دورها في المجتمع، فأصبحت جزءاً من تاريخ المدن التي نشأت بها، إن كان كشاف سوريا التابع للدولة السورية أو الكشافات الكنسية التابعة للكنائس في المدن والارياف. وفي زمن الحرب، انتقلت كشافات إلى العمل بشكل موسع أكثر من السابق، في مجتمعات عطشى للمتنفس.

انطون مقدسي ناشط في الشأن العام وخاصة في مجال الشباب والكشافات في حلب، يصف الحركة الكشفية بحلب بأنها حركة نهضوية، لها قوتها التنظيمية الادارية التي انعكست مع التجربة الطويلة على فعاليتها في الحرب. ويوضح أهمية الكشاف بحلب، فيشير إلى أنه في "سنة 1924 أنشئ السريان المهجرين نتيجة المذابح العثمانية من مدينة الرها، حي السريان في مدينة حلب، وبعد 10 سنوات تم تأسيس كشاف السريان الارثوذكسي في الحي، معظم المدارس في المدينة كانت تضم فرقة كشفية، وحتى على المستوى السياسي كانت لها حركتها فمنهم من وقف معارضا للوحدة بين سوريا ومصر سنة 1958 ، إضافة إلى أن بادل باول مؤسس الحركة الكشفية العالمية زار حلب في بدايات القرن العشرين".

سنة 2012 تحولت مدينة حلب إلى ساحة معركة لم يهدئ فيها صوت الموت والدمار لسنة 2016، وخلال السنوات الاربعة كان للكشاف دور مهم بشكل مباشر وغير مباشر في تماسك الناس في المدينة وصمودهم. ويوضح مقدسي أن الكشافات كانت تنفذ مشاريع والبعض منها بشكل غير معلن بهدف دعم الشباب لتنفيذ مشاريع تلبي بعض احتياجاتهم، مضيفاً أن "كشاف الكلدان استمر في عمله خلال أيام الحصار، حتى في لحظات كانت الكنيسة تتعرض للقذائف نتيجة القصف على المدينة، وهذه الحالة لها شبيه في معظم الكشافات وهي كانت من أساس الصمود كونه اتخذ القرار بعدم التوقف عن العمل، فهناك كشافات اندمجت مع بعضها نتيجة التدمير والسرقة التي تعرضت لها وقلة العدد في أعضائها . ويكمل قائلاً عن التجارب التي نفذت في المدينة: "سنة 2014 نفذنا عرض مسرحي في زمن كان الأقسى على سكان المدينة، لجهة الدمار والموت والتهجير، فقدمنا عرضاً لمدة 20 دقيقة هدفه كان مساعدة الناس للخروج نفسياً من حالتهم الصعبة"، وعن الهجرة والتهجير يقول "على الرغم من الاعداد الكبيرة التي هاجرت إلا أن التواصل استمرار بين داخل وخارج البلاد، مما شكل شبكة تواصل لتقديم الدعم بمختلف أنواعه المادي والمعنوي، وهو ما شكل رافداً أساسياً لاستمرار الكشافات حتى بمخيماتها على الرغم من الظروف المادية الصعبة، فمن الأمور الأساسية والمحورية المحافظة على الارث الكشفي في المدينة حتى لا يموت".



المحافظة على الرسالة

إن اختلف التقويم الشرقي عن الغربي في تحديد عيد الفصح، فإن للجمعيات الكشفية أهداف ورسائل تجمعها في زمن الاعياد. وتعتبر ديا أن هدف الفرقة من الاحتفالات في الاعياد هو المشاركة مع الناس في الصلاة والمحبة والتقرب أكثر من الكنيسة وتعزيز روح الجماعة في الكشاف، فيما باسل يرى فيها تفريغ طاقة الشباب بالعمل المفيد والإيجابي، فالكشاف يقوم على تنظيم الفعاليات كونه يمتلك القوة التنظيمية والموسيقى والعدد المناسب الذي يمكنه من التحرك على الارض، والسعي لبناء الإنسان الصالح القادر على التأقلم مع مختلف الظروف بحسب ديا الديك هو أحد أهداف الكشاف. ومن جهته يعتبر باسل الحداد أن أهمية الكشاف بأنها حركة تقدم للانسان ما لا يستطيع أن يتلقاه في المدرسة والبيت.



تختلف الآراء حول دور الكشاف خلال الحرب، فالبعض يرى أن المطلوب كان فعالية أكثر، وآخر يعتبر ما قدم هو بضمن الامكانيات المتاحة لهم، ليبقى السؤال الاساسي في المرحلة المقبلة، امام مفوضيات كشاف سوريا والكشافات الكنسية، كيف ستعمل على تعزيز ونشر القيم الكشفية في المجتمع، فهل يكون لها دور في إعادة إعمار الإنسان والمجتمع السوري، ام تبقى مجرد واحات صغيرة متباعدة قد تكون في الأوقات الصعبة المقبلة مجرد سراب؟

صحافي سوري يراسل "اليوم الثالث"
بواسطة : ADONAI
 0  0  155
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو 09:13 الجمعة 13 ديسمبر 2019.