• ×

قائمة

قراءة مسيحية سورية: لوقفة إسلامية صريحة ضد التكفير

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
اليوم الثالث لا مجال للشك بأن النخبة من المسلمين تدرك في قرارة نفسها أن المسيحيين مؤسسو الحضارة العربية قبل الإسلام وفي الإسلام ورواد القومية العربية، لذلك عليهم عدم اختيار الهوية الإسلامية على حساب الهوية الإنسانية. لأن وجود المسيحي في الشرق خيار إسلامي من أجل الظهور على الساحة الدولية بمظهر الأمة الحضارية التي تحترم حقوق الإنسان والأقليات.

لقد ذكرت في كتابي "تحدي البقاء" الذي صدر حديثاً، بإن المسيحية المشرقية تواجه خطراً وجودياً فلا خوف كخوف المسيحيين في معظم الدول العربية، اضطهاد وتعذيب وقتل وتهجير، فتاوى صدرت تهدر مالهم ودمهم...
مؤتمرات عقدت، وسال فيها وحولها حبر كثير، وها هي صرخة قداسة البابا:
"لا مشرق من دون المسيحيين"... لكن لا حياة لمن تنادي، والتدمير والقتل مستمران...

أين هي مواقف أصحاب الضمير الحي للحد من موجة القلق المسيحي،
وإلى متى ستبقى حقوق المسيحيين في الشرق مهدورة ومستباحة.

ففي مصر حرقت وهدمت الكنائس وتعرض الأقباط لهجمات دموية وسقط مئات الشهداء منهم، وفي العراق تعرض المسيحيين للاعتقال فهاجروا خوفاً وقضي على البقية ذبحاً من قبل الجماعات التكفيرية ليتم تصفية أغلب المسيحيين، أما في فلسطين فيواجهون مخططاً إسرائيلياً لانتزاعهم من أرضهم باضطهادهم وتهجريهم من قبل الكنائس المتصهينة، وفي الأردن حرم شيخ سلفي على المسلمين تهنئة المسيحيين بأعيادهم،
وفي لبنان يواجهون مشكلات قاسية دفعتهم إلى الهجرة بسبب انعدام الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي.



المسيحيون الحلقة الأضعف في سوريا؟

ولا بد من التوقف طويلاً أمام المشهد السوري على اعتبار سورية أكبر بلاد الشام وموطن أقدم الحضارات، حيث دمشق أقدم عاصمة مأهولة بالعالم، وحلب أقدم مدينة مأهولة بالعالم، تحرق كنائسهم، تدنس رموزهم، يخطفون، يذبحون، وهم في نظر التكفيريين كافرون... مهدورة أملاكهم وأموالهم ودمائهم...
إن دماء المسيحيين ليست أغلى من دماء المسلمين، وكنائسهم ليست أغلى من مساجد المسلمين، لكن لدى المسيحيين شعور بأنهم "الحلقة الأضعف" في المجتمع السوري، فهم أقلية غير مسلحة غير قادرة على القيام بدور الحماية الذاتية وقد تركوا في ظل تلاشي مؤسسات الدولة من دون حليف، وأصبح لدى المسيحيين رعب وخوف من المصير الذي ينتابهم وينتظرهم ولا سيما يعد أن فرضت الجماعات الدينية المتطرفة أنماطاً حياتية لا تناسبهم.

ولا أعلم بأي دين يبشرون، وهم حتماً يعملون ضد إرادة الخالق الذي حسب القرآن: "خلق الناس شعوباً وقبائل لتتعارف وتتلاقى" ... لا لتتقاتل وتتصارع.
إن الإسلام الوسطي المعتدل هو الضمانة الحقيقية لإنقاذ المسيحيين.



التطرف الجهادي يلاقي التطرف الصهيوني والعثمانية

فالحرب التي يقودها المتطرفون تحت عنوان الجهاد في سيبل الله، تبيح كل ما حرمه الله، فلم يعد الإسلام لديهم كدين سماوي، بل أصبح شريعة أرضية تبيح نهب الممتلكات وتدمير المنشآت إلى الخطف والتعذيب والاغتصاب والقتل وقطع الرؤوس، وكل ذلك تحت راية الإسلام. فبدلاً من أن "يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر" أصبحوا "ينهون عن المعروف ويأمرون بالمنكر" ويسعون إلى إفراغ الشرق من المسيحيين وتهجير ما تبقى منهم ومحو تاريخهم، والمستفيد من وراء ما حدث دولتان رئيسيتان في المنطقة هما تركيا الحاضنة الرئيسة للعمل المسلح في سورية وغايتها القضاء على العيش المشترك وتدمير سورية لتحضير أرضية مناسبة للعثمانيين الجدد، أما الدولة الثانية فهي إسرائيل التي تؤمن بأن فكرة الدولة اليهودية العنصرية تنجح فقط عندما تصبح المنطقة بلا مسيحيين عدا عن دول أخرى إقليمية ودولية ذات أهداف وأجندات مختلفة.



لصرخة إسلامية تسمي الأمور بأسمائها

إننا جميعاً نستنكر المبدأ الذي يقوم عليه الفكر التكفيري الإرهابي وهو: "من دخل في دعوتنا فله ما لنا وعليه ما علينا، ومن لم يدخل معنا فهو كافر دمه وماله حلال..." على المسلم قبل المسيحي عدم السكوت عن الحق كيلا يصبح الساكت على الحق شيطان أخرس.

نحتاج إلى الجهر بالحقيقة وإدانة هذه الجرائم وتسمية الأشياء بأسمائها كأضعف الإيمان عبر التشهير بالمجرمين وفكرهم الإقصائي الزائف والتكفيري الذي يشرّع الانتحار. فأين علماء المسلمين والمفكرين والمتنورين والعقلاء حيال ما جرى ويجري من سفك للدماء باسم الإسلام؟ فلا بد من وقفة واضحة وصريحة يتحمل كل منا مسؤوليته التاريخية بحكم موقعه أمام الإنسانية والضمير العالمي.
وهنا اقتبس من أقوال الإمام على بن أبي طالب:
"حين سكت أهل الحق عن الباطل، توهم أهل الباطل أنهم على حق".
على المسلمين أن يتمردوا قبل أن يفقدوا إنسانيتهم شيئاً فشيئاً، وعلى المرجعيات الدينية المسلمة قبل المسيحية أن تتخذ موقفاً مشتركاً وقوياً من اضطهاد وتهديد المسيحيين.
ثمة من يريد تدمير العلاقة التاريخية الإسلامية المسيحية في المشرق العربي عموماً وفي سورية خصوصاً، فالاستهداف ليس للمسيحيين فقط بل للإسلام المعتدل أيضاً، أي إن الأزمة ليست خاصة بالمسيحيين، إنها أزمة الحضارة، وهي أزمة المسلمين فكراً وسلوكاً.



لتجريم الفكر التكفيري دولياً

المهم الآن ما العمل:
كيف نستطيع أن نحافظ على مسيحيي المشرق لكي يتشبثوا بأرض أجدادهم؟ علينا اتخاذ ثلاث قرارات مهمة:

أولاً: بما إن الكنيسة لا تدافع (كما يجب) عن المسيحيين، بدعوى ابتعادها عن التدخل في السياسة، يستدعي منا الانتقال من موقف الدفاع إلى موقف الهجوم الفكري والثقافي والسياسي والقانوني لتعرية السلفية الجهادية والتكفيرية الإرهابية كحركات رجعية.

علينا الإسراع لإطلاق حملة عربية وإسلامية ودولية لتجريم هذا الفكر دولياً مثل الفكر النازي والفاشي، ومطالبة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي والدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية باتخاذ قرارات إلزامية لمكافحة التكفيريين وإرهابهم والنيل منهم ومعاقبة مموليهم وداعميهم من الدول والسياسيين والدينين في كل مكان وزمان بقوة العقوبات الدولية والنظام المالي العالمي كضرورة أخلاقية، لأنها بلا شك حركة وفكر ضد الإنسانية تدعو إلى التطهير العرقي والإبادة الجماعية.
ويجب العمل على تجفيف منابع الإرهاب والتكفير مالياً وأمنياً وعسكرياً وثقافياً وتربوياً في أوسع تحالف نهضوي حضاري عالمي، لاتخاذ الخطوات الفورية القوية لوقف هذا النزيف والمجازر التي ارتكبت بحق المسيحيين والقضاء على الإرهاب التكفيري.

ثانياً: الاستفادة من المغتربين في مخاطبة العقل الغربي وذلك بتشكيل لوبي مسيحي مشرقي يدافع عن المسيحيين، إنه جيد إذا دولة ما، أو نظام ما، أو رئيساً ما، يدافع عن المسيحيين، لكن هذا لا يكفي ... استدامة الدفاع يحتاج للوبي في عواصم صنع القرار بأمريكا وأوروبا، مثل اللوبي اليهودي المعروف ومثل اللوبي الأرمني واليوناني الحديث.

ثالثاً: توحيد القوى للقيام بثورة إصلاحية لفصل المؤسستين الدينية والدنيوية (المدنية)
مثل ما حدثت في أوربا، ليعود "ما لله لله وما لقيصر لقيصر". وإلى حين تحقيق ذلك لابد أن تحرم كافة المرجعيات والمذاهب الإسلامية دم أي مدني بريء على قاعدة الحق الإنساني.

وأخيراً، وعلى الرغم من نهب وتدمير الممتلكات وتدنيس الكنائس وخطف المطارنة وخيرة الشباب، وعلى الرغم من عشرات آلاف المهجرين خارجياً وداخلياً وممارسة الوعيد والتهديد والابتزاز والاغتصاب والذبح، لكن من المستحيل أن يدمروا الإنسان، وسيظل المسلمون والمسيحيون جنباً إلى جنب كالعروة الوثقى لا انفصام فيها.
فليس بمقدورنا حتى مجرد التفكير بأن يصبح الشرق خالي من المسيحيين ... وكل من يراهن على اقتلاعهم من الشرق فهو واهم… إنهم باقون وصامدون!

كاتب سياسي وعضو مجلس إدارة في اتحاد غرف التجارة السورية، ورئيس مجلس الأعمال السوري الأرميني. ألقى هذه الكلمة في محاضرة ل"مركزية مسيحيي المشرق" عن "المسيحية المشرقية في تعدد حضورها وأوجهها".
بواسطة : ADONAI
 0  0  239
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو 10:17 السبت 19 أكتوبر 2019.