• ×

قائمة

"قصة قصيرة" هبة الإبن الوحيد

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
جوزيف إبراهيم مملكة الحب والحياة كان يحكمها ملك عادل، عطوف بأبناء رعيته مشهور بمحبته اللامتناهية لشعبه لدرجة استعداده لبذل نفسه من أجلهم، إذ كان كالراعي الصالح و لم يكن يفرق بين فلاح أو وزير، مُغدقاً بمراحمه وخيراته على الجميع الصالحين منهم والطالحين.
أقام هذا الملك أسواراً عظيمة على أطراف مملكته ليحميهم لشدة خوفه عليهم من الأشرار ومن مطامع الممالك المجاورة، لكن حصل ما كان يخشاه، ففي ليلة مقمرة حدث هجوماً مروعاً من إحدى المجموعات البربرية، والتي كانت تعيش كالطفيليات على أتعاب وخيرات الآخرين، ولا تكل من غزو ودمار الممالك المتحضرة، فهب الجميع لمعاضدة حراسهم البواسل الذين لم تغفل أجفانهم عن حراسة المملكة.
أسرع وزير الدفاع إلى الملك وأخبره بالخبر المرعب، فأمره الملك بإطلاق جميع السجناء وتسليحهم ووضعهم على أسوار المملكة سنداً وعوناً للحراس، تأهب الجميع للدفاع عن مملكتهم وبعد مقاومة عنيفة تمكنوا مع ساعات الفجر من دحر جميع الأعداء وطردهم بعيداً عن مملكتهم ، فهبت النساء والفتيات لمساعدة الأطباء في تضميد جراح المصابين.
جال الملك والوزير صباحاً بين المجروحين لتفقدهم فوجد جراح أحدهم خطيرة جداً، فأمر أطبائه بالإهتمام والعناية به، لكنهم أخبروه بأن حالته ميؤوس منها، إذ كان لديه نزيف حاد ويحتاج إلى نقل دم و زمرة دمه كانت نادرة و لم يطابقها أحد من أبناء المملكة سوى، ولي العهد إبنك الوحيد فقال الملك: دعوا إبني يتبرع له بدمه، فرد عليه الوزير قائلا: يا مولاي لا يستحق هذا المصاب دم أميرنا الوحيد فقد كان سجيناً ومن ذوي الأخلاق السيئة، لكن الملك لم يكترث لكلام الوزير ولا لخطيئة المجروح وأصر على معالجته وشفائه.
حضر ولي العهد و قال لوالده : سأُطيعك يا أبي حتى الموت فلتكن مشيئتك لا مشيئتي، وتمت عملية نقل الدم للسجين و بعد عدة أيام تعافى الجندي وشُفي تماماً من جروحه، وحصل على حريته الكاملة وأُطلق سراحه، لكن حصل ما كان خفياً عن الجميع إذ توفي الأمير نتيجة النقص الحاد في دمه، فدخلت المملكة في حداد أليم إذ فقدت أغلى ما عندها، ودخلت الكآبة قلب الملك ، ونتيجة لحزنه الشديد على وحيده بدأت قواه الجسدية تضعف وبات طريح الفراش يعطي أحكامه وتعليماته لوزيره المخلص ليدير شؤون المملكة، بعد فترة من الزمن وقبل أن ينتقل الملك تجرأ وزيره سائلاً إياه : مولاي، أسأل لك العمر الطويل، لكنك لم تعطني بعد وصيتك الأخيرة، ولم تحدد لمن ستكون جميع ممتلكاتك ومن سيخلفك لإدارة المملكة، صفن الملك لوهلة والبسمة تعلو شفتيه ثم قال للوزير : كل شيء أملكه هو للجندي وأريده وريثاً ملكاً لهذه المملكة، فأستفسر الوزير قائلاً : أي جندي يا مولاي !! فقال له : ذاك الذي شفي في القصر، فأجابه الوزير: كيف؟ لا !! لا يمكن يا مولاي فهذا الفتى لايستحق حتى النظر إليه، ليس فقط من أجل ماضيه السيء لكنه أيضاً تسبب في موت ولي العهد أميرنا، وقبل أن يلفظ الملك أنفاسه الأخيرة، أمسك بثياب الوزير (في إشارة ملكية تعني عهداً بالشرف ) أن يتم تنفيذ الوصية بحذافيرها.
نطق الملك جملته الأخيرة وقال للوزير : أعلم جيداً أن هذا الجندي لم يكن صالحاً ولا يستحق الغفران، لكني سأعطيه المُلك والمملكة لإن ( دم إبني الوحيد موضع في جسده ). ثم أغمض عينيه ورقد بسلام، فأمر الوزير بإحضار الجندي و ألبسه الحلة الأولى و وضع على رأسه التاج الملكي وأسلمه العصى الرعوية الأرضية في إحتفاء ملكي مُهيب يلق بوصية ملكهم.

بقلم جوزيف إبراهيم في /29/6/2019/ أستراليا
بواسطة : ADONAI
 0  0  137
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو 19:27 الخميس 19 سبتمبر 2019.