• ×

قائمة

رسالة الأب الياس زحلاوي إلى السيد القسيس تيري جونز

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 أخي القسيس، لقد قرأت دعوتك إلى إحراق القرآن الكريم على نطاق العالم، يوم الحادي عشر من أيلول القادم، وقد جاء في نص هذه الدعوة أنك قسيس في إحدى كنائس فلوريدا بالولايات المتحدة الأميركية.
تساءلت، وأنا كاهن عربي كاثوليكي من دمشق (سورية)، ما عسى أن تكون غايتك من تلك الدعوة، وأنت قسيس أميركي؟
تساءلت، وأسألك: ما عملك بوصفك قسيساً؟
هل أنت قسيس مسيحي حقاً، يخدم الله في إحدى كنائس أميركا؟
أم أنك مواطن أميركي وحسب، يدّعي خدمة المسيح؟
هل تراك استسلمت لأمريكيتك، بدل أن تستلم لمسيحيتك؟
ما الذي تريده من دعوتك هذه؟
أن تؤجج مزيداً من الأحقاد بين الشعوب؟
وهل في ذلك ما ينسجم مع السيد المسيح، الذي تمثله في نظر نفسك ونظر الكثيرين؟
قل لي، هل في شخصية يسوع، في كلامه، في سلوكه، في مواقفه كلها، ما يبرر إن من قريب أو من بعيد، مجرد التلميح إلى نفور ما، أو حقد ما، أو بُغض ما بين الناس، جميع الناس؟
أو نسيت أن يسوع كان في كلّيته محبة وغفراناً وسلاماً؟
أو نسيت ما علّمنا يوم علم تلاميذه والناس من بعدهم، أن يقولوا للأب السماوي، إله الجميع "واغفر لنا خطايانا كما نغفر نحن لمن أخطأ إلينا"؟
أو نسيت أو تناسيت أن يسوع، عندما كان معلقاً على الصليب، تنهال عليه الشتائم وكلمات الشماتة الدنيئة، رفع صوته قائلاً: "يا أبت، اغفر لهم، لأنهم لا يدرون ما يعملون"؟
فمن تراك تمثل؟ ومن تراك تريد أن تهدي بدعوتك تلك؟
أما كفاك ما جرى ويجري منذ 11 أيلول عام 2001، من قتل وتدمير وتشريد وتجويع لمئات الملايين من الناس في شتى أرجاء الأرض، بدءاً من فلسطين، وهي (وطن يسوع) على يد حكامك بالذات، وعلى رأسهم جورج بوش الذي كان يدعي الاتصال المباشر مع الله؟
ألا ترى معي أنك بدعوتك تلك، برهنت على غربتك الحقيقية عن يسوع، وعلى حاجتك الملحة إلى إعادة اكتشافه من جديد، كي تكون قسيساً مسيحياً حقاً يدعو مثل يسوع للمحبة الشاملة، وللاحترام التام لكل إنسان، وللالتزام الكامل بتعاليمه الرائعة، التي تدعو جميع المؤمنين به دون استثناء، إلى الوقوف دائماً في صف الفقراء والمظلومين والمحرومين؟.
أخي القسيس، هل لك أن تقول لي بكل صدق، لو جاء يسوع اليوم في صفِّ من تراه سيقف؟ أفي صف الأقوياء، المتغطرسين، الظالمين، الذين يهيمنون على العالم، وينهبون خيراته دون شبع، ويستبيحون القوانين والمعاهدات الدولية كلها، ويقتلون الناس في أوطانهم، ويدمرون البيوت فوق أصحابها ويشردونهم في أرجاء الأرض؟
أم سيقف في صف هؤلاء المظلومين والمحرومين والجياع والمشردين؟ وهل تراك نسيت ما سيقول يسوع نفسه في يوم الدين لكل إنسان يمثُل بين يديه، "كل ما فعلتم بأحد إخوتي هؤلاء الصغار، بي أنا فعلتموه"؟
هل تراك نسيت أو تناسيت أن يسوع لم يشر في حديثه عن يوم الدين، إلى انتماء أي إنسان لأي دين؟
إنما هو أشار فقط إلى انتماء كل إنسان إلى بني البشر جميعاً، وإلى وقوفه مع المحرومين منهم والمستضعفين والمظلومين في الأرض!
فما بالك أنت القسيس المسيحي الأميركي تقف مع الظالمين في بلدك، الذين امتد ظلمهم حتى شمل العالم؟
ألا تخشى المثول أمام يسوع في يوم الدين، وأنت مثقل بما يثقل ضمائر حكامك، الذين أعمتهم آلهة السلطة والمال والقوة والتخمة؟
أخي القسيس تيري، هل تراني أظلمك، إن رأيت أن نقمتك على الإسلام هي التي تبرر دعوتك المستهجنة تلك، إلى إحراق كتاب المسلمين المقدس، القرآن الكريم؟
ولكن دعني أسألك، أنا الكاهن الكاثوليكي السوري، ماذا تعرف عن الإسلام؟
يبدو لي أن في خلفية دعوتك لإحراق القرآن الكريم، من الجهل بالمسيح والمسيحية، ما يحملني على الاعتقاد بجهلك بالإسلام والمسلمين أيضاً.
صدقني، ليس في نيتي أن أدينك، وليس في نيتي البتة أن أدخل معك في أي سجال ديني، سواء منه ما يتناول المسيحية أو الإسلام، إنما دعني أقترح عليك، بعد أن صليت طويلاً، عملاً مشتركاً نقوم به، أنا وأنت معاً، يوم الحادي عشر من أيلول القادم.
تسألني أي عمل، وأنت في فلوريدا وأنا في دمشق؟
هوذا العمل الذي اقترحه عليك:
إني أدعوك لزيارة سورية، حيث ستكون في ضيافتي وفي ضيافة أصدقائي الكثيرين، من مسلمين ومسيحيين.
فسورية بلد تدين غالبية سكانه بالإسلام، والمسيحيون فيه أصلاء، ويعيشون فيه جنباً إلى جنب مع المسلمين، منذ قرون وقرون.
تعال، ولا تخشَ شيئاً.
تعال، عساك تكتشف عن الإسلام والمسلمين، ما يريحك ويفرحك ويفاجئك، وما سيحملك حيث أنت اليوم في فلوريدا الجميلة، على دعوة الناس الملحة، إلى التعايش في احترام ومحبة وتعاون، جميع الناس في أمس الحاجة إليها، بدل الدعوة (اللامسيحية إلى تأجيج الأحقاد والتناحر)!
تعال إلى سورية، فتدهش بطبيعة الناس وألفتهم وإيمانهم وعلاقاتهم وتعاونهم وانفتاحهم الودود على كل غريب.
تعال إلى دمشق، لأجعلك تعيش خبرة ما كانت لتخطر، لا ببالك ولا ببال جميع كنائس الغرب وأساقفته وكهنته وقساوسته!
تعال لترى وتسمع جوقتين (مسيحية وإسلامية) تسبِّحان معاً، في الأعياد المسيحية والإسلامية، الله الواحد الله الذي خلقنا كلنا، والذي إليه مآلنا جميعاً.
أخي القسيس تيري جونز، أدعوك أخي وأنا جاد في تسميتك أخاً لي، وفي دعوتي لك.
وإني لأنتظر منك كلمة لا غير.
وثق بأنك ستجد لك في دمشق أخاً، بل إخوة كثيرين، فأخبرني ولا تتأخر إني على موعد معك في دمشق.
أسأل الله أن يجعل لقاءنا هذا المرتجى، بداية لطريق طويل ومشرق، نشقه معاً مع إخوة لنا كثيرين في دمشق والعالم، وما أحوج العالم اليوم إلى طرق مشرقة!
تعال، فطريق دمشق في انتظارك!
أخوك من دمشق
الأب الياس زحلاوي
المرسل اكتمال
بواسطة : Administrator
 0  1  894
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو 00:53 الخميس 23 مايو 2019.