• ×

قائمة

أين أصبحت وحدة الكنائس؟ بقلم جيروم شاهين

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 



في مثل هذا الوقت، من كل عام، ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أيامنا، تقيم الكنائس المسيحية، على اختلاف طوائفها ومذاهبها، أسبوع صلاة لأجل وحدة الكنائس. وفي لبنان، تقيم الكنائس أسبوع الصلاة هذا من 15 كانون الثاني الجاري حتى 23 منه.
كيف ومتى وعلى ما انقسمت الكنائس المسيحية؟ ما هي الإنجازات التي تمّت في مسيرة الوحدة وما هي العقبات؟ وهل النظام الطائفي في لبنان يعيق تحقيق الوحدة الكنسية؟
الكنائس المسيحية، في وجه من وجوهها، هي واحدة، غير منقسمة. والوحدة تتجلّى هنا بإيمانها، جميعها، بمسيح واحد.
إلاّ أن الوجه الآخر للكنيسة، اليوم، هو أنها أيضاً منقسمة. فالكنيسة هي أسرة روحية منظورة. هي مؤسسة ترتكز على أنظمة ومعتقدات وتقاليد وسلطة هرمية. والكنائس هذه، المنظورة، هي كنائس محلية، تجذّرت في بيئات مختلفة، واحتوت على تراثات وثقافات وطقوس متعددة. كما عبّرت أيضاً عن إيمانها بطرق مختلفة وتجسّدت سوسيولوجياً وتاريخياً فاتخذت شكل طوائف... هذه الكنائس المنظورة هي التي نسمّيها منقسمة والمطلوب توحيدها.
إلا أن وجه الكنيسة "المنقسم" ليس حديث العهد. فالانقسامات في الكنيسة تعود الى أيامها الأولى.
لذلك، فالسيد المسيح، مستبقاً الانقسامات ما بين رسله وتلاميذه وفي كنيسته، ما انفكّ في حياته يدعو رسله ليكونوا واحداً. ففي عشائه الأخير مع تلاميذه أوصاهم: "هذه هي وصيتي: أحبوا بعضكم بعضاً كما أحببتكم". وطلب الى أبيه السماويّ قائلاً: "فليكونوا بأجمعهم وحداً: كما أنك فيّ، يا أبتِ وأنا فيك، فليكونوا هم أيضاً فينا ليؤمن العالم بأنك أرسلتني".
وتفاقمت، على مر العصور، الانقسامات في الكنيسة.... وأسباب الانقسامات عديدة، منها ثقافية، وأخرى سياسية، ومنها أيضاً أسباب عقائدية.
لقد درجت العادة على إظهار الأسباب العقائدية التي كانت وراء الانشقاقات الكنسية. لكن الدراسات المعاصرة لها فضل كبير في إبراز الأسباب الأخرى. لا سيما الأسباب الثقافية التي كانت وراء الاختلاف في التعابير اللاهوتية التي اعتُبر بعضها "هرطقة عقائدية". لن ندخل، هنا، في تفاصيل الانشقاقات الكنسية، بل نكتفي بتعداد أهمها:
بعد المجمع المسكوني الرابع الذي جمع أساقفة العالم المسيحيين وانعقد في خلقيدونية سنة 451، تأسست الكنائس المسماة لا خلقيدونية (السريانية القبطية الحبشية الأرمنية، وتسمى اليوم الكنائس الأرثوذوكسية الشرقية). سمّيت تلك الكنائس أيضاً "ومونوفيزية" التي تبعت تعليم المجمع الخلقيدوني القائل بأن في المسيح طبيعتين إلهية وإنسانية، "بلا اختلاط، ولا تغيير، ولا انقسام، ولا انفصال"، "تؤلفان كلتاهما شخصاً واحداً لا مقسوماً ولا مجزوءاً الى شخصين...".
غير أن الحركة المسكونية اليوم أظهرت كم أن الاختلاف ما بين الخلقيدونيين واللاخلقيدونيين كان مؤسساً على الالتباسات الثقافية في استخدام المقولات اللاهوتية أكثر منه على مضمون الإيمان.
الانشقاق الأهم الذي قسّم الكنيسة الى كاثوليكية وأرثوذوكسية، لاتينية ويونانية، يؤرّخ له بالعام 1054، أي في العام الذي انقطعت العلاقات الكنسية بين البابوية وبطريرك القسطنطينية. إلا أن القطيعة كانت تسلك دروباً عديدة، سياسية ودينية وثقافية وليتورجية وسلطوية، إلخ...
أما الانشقاق الأخير فقد حصل داخل الكنيسة اللاتينية نفسها، بما سمّي حركة الإصلاح الإنجيلي وانفصال جزء من الكنيسة اللاتينية عن كنيسة روما، وسمّي هذا الانفصال بالانفصال البروتستانتي.
حتى النصف الأول من القرن العشرين لم تقم حركة مسكونية فعّالة لأجل وحدة الكنائس. ابتداءاً من النصف الثاني من القرن الماضي قامت مجالس كنسية مسكونية دفعت مسيرة الوحدة الى الأمام. من أهم تلك المجالس "مجلس الكنائس العالمي" الذي أنشئ في العام 1948 وضم العديد من الكنائس البروتستانتية والأرثوذوكسية والأرثوذوكسية الشرقية في العالم باستثناء الكنيسة الكاثوليكية التي ما زالت خارج عضويته.
من الجهة الكاثوليكية، وقبيل انعقاد الجمع الفاتيكاني الثاني أنشأ الفاتيكان، عام 1960، دائرة "الأمانة العامة من أجل وحدة المسيحيين". أما في الشرق الأوسط فكان لإنشاء "مجلس كنائس الشرق الأوسط"، عام 1964، ومن ثم انضمام عائلة الكنائس الكاثوليكية الى عضويته عام 1990، أثر كبير في دفع الحركة المسكونية الى الأمام. فهذا المجلس يضمّ جميع كنائس الشرق الأوسط.
مع ذلك، فإن إنجاز الوحدة الكنسية تعترضه عقبات كثيرة أهمها، من دون شك، المفهوم الكاثوليكي لسلطة أسقف روما (أي البابا). فهذا الأخير، في المنظور الكاثوليكي، وكما حدّد ذلك رسمياً المجمع الفاتيكاني الأول (1869 1870)، يتمتع بسلطة مركزية على جميع الكنائس الكاثوليكية في العالم، وهو معصوم عن الخطأ عندما يعلّم الكنيسة الجامعة تعليماً دينياً رسمياً، الأمر الذي لا يقرّه الأرثوذوكس والبروتستانت.
أما في لبنان، ومع تعدّد الطوائف المسيحية من جهة، وارتباط كل منها، أقلّه عقائدياً، بشقيقاتها الكنائس العالمية من جهة ثانية، وتداخل السياسة بالدين (أي الصيغة الطائفية اللبنانية كما هي معروفة) من جهة ثالثة، فإن وحدة الكنائس في لبنان (وفي المشرق العربي عامة) تنتظر وحدة كنسية على المستوى العالمي.
يُحكى الكثير في هذه المرحلة عن حسنات "الطوائفية" (أي رعاية الدولة لوجود الطوائف وضمان حقوقها وتقاليدها، بعكس ما قامت به الدول العلمانية الأوروبية) وعن سيئات "الطائفية" (بمعنى الانتماء الطائفي والولاء للطائفة على حساب الولاء للوطن والانتماء بالمواطنة). ففي ظل هذا الوضع القائم هل ستتمكن الطوائف المسيحية من التخلّي عن كيانيّتها المنبسطة على جميع مستويات الحياة الاجتماعية، للانخراط في مشروع وحدوي قد يؤدي الى إزالة بعض من سلطة وامتيازات وخصوصيات؟



عن المستقبل
بواسطة : Administrator
 0  0  710
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو 19:23 السبت 21 سبتمبر 2019.