• ×

قائمة

البنت النبيلة .بقلم : زهير دعيم

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
جزيرة كوم 
ما أن بدأ شهر آذار مشواره في روزنامة السنة ، حتى علت البسمة وجه هبة، فهي تنتظره بشوق كبير ، وتتمنّاه منذ أمد بعيد ، وها هو يحلّ على الكون بوجهه الربيعيّ حاملا معه الأزهار والرياحين والبسمات.
وهبة لمن لا يعرفها- طفلة لطيفة في العاشرة من عمرها ، حنطية البشرة ، سوداء الشّعر والعينين ، دمثة الأخلاق ، تعشق الكتاب والموسيقى وعلبة توفير تُغذّيها يوميًا بشاقل أو أكثر من مصروفها ، وتعدّ نقودها بين الفينة والأخرى ، وقد كان فيها في المرّة الأخيرة حوالي مائة شاقل.
أخذت هبة تُفكّر في الهدية التي ستشتريها لأمها في عيد ميلادها ، وكانت تريدها مفاجأة ، ولكن ماذا تفعل وأخوها سمير باح بالسّرّ ، ممّا حدا الى أن لامته ووبّخته، ثم ما لبثت أن عادت تلاطفه وتلاعبه وسط ضحكات امّها وهمسات أبيها.
لماذا هذه التفرقة يا هبة ؟ قالها الأبّ مازحًا ...
فضحكت هبة ضحكة خجولة وقالت أيّار على الأبواب يا أبي وسيكون لك ايضًا هدية ، فأنت تستحقّ وأكثر..
عانق الأب ابنته بحنان قائلا : أريدك سعيدة يا بُنيتي ، فهذه هي هديتي.
مرّت الأيام بطيئة ، وهبة تنتظر وتفكّر فيما عساها ان تشتري في اليوم الأخير من آذار ، وتريد هذه المرّة أن يكون نوع الهدية سرًّا.

اقترب العيد ... فمع مساء الغد ستحتفل العائلة بعيد أغلى الحبايب.
نامت هبة والأحلام تُدغدغ خيالها ، فغدًا ، نعم غدًا وبعد الانتهاء من اليوم الدّراسيّ ويا ليته كان يوم عطلة- ستمرّ على دكّان التُّحف الذي طالما وقفت أمامه طويلا لتشتريَ هدية راقبتها منذ أمد طويل ، وسألت عن ثمنها مرارًا.
طلع الصُّبح فهرولت هبة الى العلبة الصغيرة تعدّ ما فيها من نقود : إنها مائة وعشرون شاقلا بالتمام والكمال ، وهذا يفي بالمطلوب ويزيد.
ابتسمت هبة ورفعت الى الله صلاة شكر صغيرة ، ثمّ سرّحت شعرها الليليّ وتناولت فطورها مع الاهل ، وسارت مع سمير الى المدرسة.
مرّت الدروس بطيئة ، وكانت تريدها أن تركض بل أن تقفز ، وليس من عادتها ذلك ، ولكن ما العمل وهي تريد أن تكافيء الامّ في عيد ميلادها .
وتنفّست هبة الصعداء مع قرس الجرس الأخير ، فحملت حقيبتها وأسرعت نحو دكّان التُّحف.
وعلى قارعة الطريق شاهدت هبة أمًّا تجرّ رِجلها العرجاء والدّموع تسيل على خديها ، وهي تحمل طفلة صغيرة رثّة الثياب ...تسير خطوات وتقعد لتستريح ...وفي تلك اللحظة مرّ شابّ فمدّت الام يدها نحوه مستعطية ، فدفعها الشّاب دفعة قوية كادت أن تسقطها أرضًا ، وتابع سيره مُقهقهًا.
سالت الدّموع حارقة على خدّي هبة أمام هذا المشهد المؤثّر وتنهدت وهزّت رأسها بحسرة ، ثمّ ما لبثت أن مدّت يدها الصغيرة الى حقيبتها وأخرجت العلبة الصغيرة الغالية وبدون تردّد توجهت نحو الأمّ العرجاء وأعطتها إياها.
راحت السيدة تشكر الطفلة النبيلة بسيل من الدّعاء والشّكران.
غيَّرت هبة طريقها ، فقد سارت نحو البيت والفرحة تملأ فؤادها الصغير ، والبسمة ترتسم على مُحيّاها الجميل ، فدخلت البيت وقبّلت أمّها قائلة :
"كلّ عام وأنتِ بخير يا أمّاه... أعذريني فقد فقدت علبة النقود ، لقد أضعتها وكان الأجدر بي ألا آخذها معي ، فتّشت عنها كثيرًا ولكن للأسف لم أجدها ...عُذرًا "
ربّت الأب على كتفها وتبسّمت الأم قائلة : لا ضيْر يا صغيرتي ، فكلّنا مُعرّض لمثل هذه الامور ، تكفينا ابتسامتك الحلوة يا هبة ، فهي أغلى من كلّ الهدايا "
لم يمضِ وقت طويل حتى عاد سمير الصغير والشّقيّ من المدرسة لاهثًا ، وهو يحمل حقيبته الثقيلة على ظهره ، واندفع نحو غرفة هبة صارخًا وسط دهشة الوالدين : " أين الحمقاء ؟ أين هبة الحمقاء التي كرُمت على الشحّاذة بالتوفير ؛ كلّ التوفير ، هكذا أخبرني الطلاب ..."
بكت أمّ هبة فرحًا ، وعانق ابو سمير ابنته وطبع على جبينها قبلة مملوءة بالحنان والتقدير : كنت كبيرة يا هبة في عيوننا ، واليوم كبرتِ أكثر وأكثر ، نعتزّ بك يا صغيرتنا ، فالعيد الحقيقي هو أن نُدخلّ الفرحة الى قلوب الحزانى والفقراء والمعوزين، ونمسح الدمعة من عيون اليتامى ". فهزّت الام رأسها وكأنها تقول نعم.

ونامت هبة تلك الليلة نومًا هنيئًا ما نامته من قبل .
بواسطة : Administrator
 3  0  853
التعليقات ( 3 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    30-03-2011 19:40 عبير :
    قصة جميله تحمل معاني ساميه ,
    استاذ زهير شكرا لإبداعك وروعة اسلوبك
    الرب يباركك
    مع كل الحب
    عبير
  • #2
    31-03-2011 00:33 ميريام حايك :
    قصتك أستاذ زهير أدمعت عيني
    عائلة مسيحية مثالية بكل معنى الكلمة
    هؤلاء هم تلاميذه الحققيٌٌين
    أبوين صالحين أنجبا
    هبة النقية الطاهرة المعطاءة
    يا ريت نحكي هالقصة لأطفالناكل يل يوم
    أستاذ شكر من القلب
    الغالية عبير يا هلا فيك كلامك جميل وصحيح
    أستاذي كل التقدير والإحترام
  • #3
    31-03-2011 13:29 زهير دعيم :
    من طينة واحدة...
    نعم ...ميريام وعبير من طينة واحدة : طينة المحبّة، هذه الطينة الزاخرة بالذوق والحسّ الانساني والقيم التي زرعها في نفوسنا الرب يسوع .
    كم اعتزّ بكما ، وكم تعطيني هذه الجرعات التي تخطهما ، تعطيني انطلاقة نحو ابداع جديد وكتابة جديدة ، نظهر فيها الوجه الجميل للانسان.
    تحياتي لابنة الجزيرة الرائعةعبير يسوع ..
    وتحياتي للاخت الغالية ميريام بهار المغتربين ونكهتهم.
    وتحياتي للقائمين على هذا الموقع الرائد
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو 17:56 الإثنين 21 أكتوبر 2019.