• ×

قائمة

ليتني كنتُ أميراً للغجر.... قصة قصيرة. اسحق قومي

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 

منذ أن كنتُ يافعاً استهواني منظر خيام الغجر حين كانوا يأتون في بدايات الشتاء إلى مدينة الحسكة .ومن حسن حظي فإن المساحات الفارغة من الأرض بين بيتنا وحيّ تل حجر كانت مسرحا لتلك الخيام المتنوعة والتي كانوا يبنونها على شكل صندوق أحد أضلاعه الجنوبية فارغاً وكأنهم يصنعون لهم ساحة كبيرة من خيامهم .وللغجر لغة خاصة بهم يُقال أنها تركمانية ولهم طقوسهم التي طالما استهوتني وفكرت من يومها أن أكتب عن تلك الطقوس كان ذلك في بداية الستينات من القرن العشرين.وغالباً ما كانوا يأتون ليلاً ويبنون خيامهم ولكل رجل دراجة هوائية حتى أطفالهم الذين لا يتجاوزون الخامسة عشر لديهم دراجاتهم الهوائية وكم من مرة تمنيتُ لو أنني أملك إحداها وأعرف قيادتها.؟!!!!...وأما الأعمال التي يعملون فهم أصحاب صناعة تركيب أسنان ذهبية أو فضية وصناعة الأساور المعدنية ويبيعون العلك البلدي على شكل مقايضة لا يهم وإن كان بالنقود أفضل كما لا تقف نساؤهم في الخيام فلهم زيارة صباحية لبيوت المدينة وزيارة مسائية فهم يدخلون البيوت بطريقة ذكية ولهم من اللسان ما يسحر العديد من النساء أما الشباب والرجال فلغاية في نفس يعقوب خاصة إذا أبدت الغجرية غنجاً فله أن يُعطيها ما تريد.
ولكن أجمل المناظر منظر خيامهم والدخان يتصاعد من أطرافها وأبوابها بعد غروب الشمس عندما يوقدون النار...وكم من مرة ٍ وتمنيتُ لو أجلس معهم على موقد النار نصطلي ونشرب الشاي ..؟!!!
ولما كان بيتنا أول بيت ٍ يصادفونه في طريقهم إلى المدينة ولدينا صنبور ماء ٍ في الحوش التي لا يوجد جدراناً تحميها .فكانت تأتينا الفتيات والصبايا ليملأنا صحائفهن من ماء الصنبور(الحنفية). من بين تلك الصبايا لفت نظري فتاة أكبر مني سناً لكنها كانت جميلة وجهها كالبدر إذا أكتمل وعيونها سوداء كأنها عنب آشوري ، صدرها الواسع ونهديها المتكورين كأنهما صقور جارحةٌ تريد النزال، طويلة القامة خصرها نحيلٌ شدتهُ بحبل عريض من الصوف نسجتهُ على طريقتها الخاصة وبألوان ٍ مزركشة...مشيتها كأنها خيلاء أميرة في بوادي العشق...وفي نظراتها اضطراب وقلقٌ وخوف وترقب وحنان يوحي بأنه يكفي لجوع عاشق محتار.وحين أُعجبتُ بها سألتها في إحدى المرات فقالت ليّ أنها أميرة الغجر واسمها جلنار...وكانت تتأخر في مليء صحيفتها كي نطيل النظر والحديث.وغالبا ما كان مليء الماء السبب الوحيد لرؤية بعضنا ودامت الحالة هذه لمدة ثلاث سنوات ولكن في السنة الرابعة لم تأتي جلنار ولا أهلها...سألت أترابها فقالوا ليَّ رحل أهلها عندما تزوجت لأحد أقرباء والدها ولها أخوالها في تركيا وهكذا غابت أميرة الغجر جلنارخانم كما كانت الصبايا الغجريات ينادونها...
ومرت السنوات وكلما رأيت غجراً أطيل النظر إليهم بالرغم من تأكدي أن أميرتي الغجرية جلنار خانم قد رحلت إلى الأبد.......
أما أن تلتقي بجلنار أميرة الغجر في بلاد جرمانية فهذا ليس سابع المستحيلات بل مليون المستحيلات ولا يمكن أن يحدث إلا بأعجوبة ولغاية الله أعلم بها...
ففي يوم 26/3/4/2011م طلب مني ابني أن أساعده في أن أوصله بسيارتي إلى مطعمه الذي يقع في مدينة تبعد عنا حوالي خمسة عشر كيلو متراً....أسمها أهوس AHAUS
وقبل أن أدخل المدينة رأيتُ على الجهة اليمنى للطريق وفي فسحة كبيرة من الأرض الخضراء وقد امتلأت بسيارات (كرفانات) ومجموعة من الحيوانات المختلفة ..والصبية والرجال والنساء فقررت عند عودتي سأوقف سيارتي وأدخل إلى ذاك التجمع الغجري لأنني أحب ُّ رؤيتهم..هكذا مجرد فكرة لرغبات قديمة ولم يكن أتوقع أنني سأصطدم فعلاً..
حالتي ليست مستقرة قلق ينتابني كوني قد قطعتُ السيكارة منذ 24/1/2011م.لهذا أشعر أحيانا أنني أفتقد أمراً مهماً...وضعت سيارتي في إحدى المواقف القريبة وترجلتُ باتجاه الغجر..في إحدى الكرفانات ومن أحد شبابيكها وجه ملائكي رغم الشيب الذي لون شعر تلك المرأة عيونها سوداء لها نفس سمات تلك الغجرية التي أضعتها منذ مايزيد عن أربع وأربعون عاماً ...اقتربتُ منها أتقصد أن أنظر إلى ملامحها بشكل واضح وأن أتحدث معها لو أمكن...فجأة أرى نفسي تقول هي هي هي أميرة الغجر جلنار خانم...لا كيف وهل يبعث الله معذبتي إلى هنا وهل هذا معقول...لم أتمالك نفسي اقتربت وحييتها بالألمانية فقالت لي.....أنت غريب أليس كذلك ..(فريمد لويتي)..وما أدراك قالت لوجود دقات ثلاثة على خدك وأنفك وذقنك ..ألست عربياً؟!!! أجل وهل تعرفين اللغة العربية قالت بلى...ومن أين أنتِ ألست أنت جلنار خانم أميرة الغجر ؟!!!! بكتْ ..اغرورقت الدموع في عينيها وقالت وأنت ذاك الشاب الذي عشقته ....أصحيح أنت هي ..أنا فعلاً ذاك الشاب الذي أحبك وأنت تأتين لتملائين صحيفتك من صنبور دار أهلي أليس كذلك؟!!!!
تعال تعال أدخل إلى الكرفان ها هو زوجي الثاني...هو لا يعرف العربية بل التركية....والألمانية...دخلتُ إليها كان زوجها رجلاً أكبر مني سناً وقورا رحب بي عندما قالت له هذا من سوريا كان أهلنا يخيمون بجانب بيتهم...لم أسمع منه غير الترحاب وكأنه لا يريد مشاركتها بأي شيء..شربنا الشاي المعتق الذي صنعته لي خصيصاً....خرج رجلها وبقينا سوية سألتني عن وكيف وصلت لهذا المكان فأخبرتها بإيجاز عن رحلتي وزواجي وأسرتي وطلبت منها أن تزورنا لأن المسافة ليست بعيدة...أوقفتني وهي تبكي بكاء حاراً وأخبرتني أن هذا هو أخو زوجها وزوجها الأولي قد مات ولهذا تزوجها أخيه ولها منهما اثنا عشر طفلا وأربعة فتيات ....وأن جميع الكرفانات هم إخوة وأخوات لزوجها...وشربت أخر سكارة وأنا بجانبها ..اقتربت مني ....ليس لنا قلتها لقد مضى يا أميرتي جلنار...عناق سريعٌ أرادتهُ ...ودعتها وهي تبكي وتقول لو متُ أريد أن يدفنوني في مدينتكم التي عرفت فيها أول حب هو أنت....عندها نزلتُ من الكرفانة وعيوني لا تفارق عيونها وبيدها تلوح لي وصوتها يقول مع السلامة وهكذا مضيت ُ عدت في اليوم الثاني لعلي أراها ثانية...كان المكان خاويا إلا من آثار تلك الكرفانات وقد هشمت الأعشاب الصغيرة....همستُ بالأمس كانت أميرتي جلنار هنا..
ليتني كنت أميراً للغجر....وتذكرتُ ناظم الغزالي وصاحب الدير والعاشق الحيران.
اسحق قومي
ألمانيا
شتاتلون...28/4/2011م.
بواسطة : Administrator
 0  0  950
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو 13:12 الأربعاء 18 سبتمبر 2019.