• ×

قائمة

حقيقة مسيحية الشرق قبل الغزو الاسلامي...سامية نوري كربيت

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
ahewar.org هناك الكثيرون الذين يرفضون رفضا مطلقا الاعتراف بحقيقة أكدتها كتب التاريخ الإسلامية قبل الكتب المسيحية بالإضافة إلى البحوث الأكاديمية والتنقيبات الأثرية التي أدت إلى اكتشاف أثار لا يستطيع كائن من كان أن يدحضها ، بالرغم من محاولات البعض طمس تلك الآثار بتدميرها أو إزالة الكتابات من على جدرانها أو تحريف تاريخ أقامتها كما يحدث الآن في مدينة تكريت في العراق حيث تقوم بلديتها بدفن آثار مسيحية تحت إسفلت شارع الباشا ( وفي نهاية المقال تجدون الرابط الذي يؤكد ذلك ) وكل هذه المحاولات لم تؤدي الغرض منها والتي تسعى إلى إلغاء فترة زاهية من تاريخ العراق ، فكانت كالذي يحاول أخفاء ضوء الشمس بغربال ، ولكن الحقيقة هي كالماس تتعشق النور دائما وتصفع كل من يحاول أن يلغي التاريخ من مؤرخين مؤدلجين أو رجال دين لا هم لهم سوى تزييف الحقائق وجعل الناس يتخبطون في مجموعة من الخرافات والأساطير التي لها أول وليس لها آخر ، فالدين في الشرق العربي أصبح مهنة تدر الملايين على أصحاب العمائم المختلفة الألوان والأشكال بسبب انخراطهم في الحياة السياسية واتفاقهم مع الأنظمة الدكتاتورية لإبقاء الشعوب متخلفة بالسيطرة على عقول العامة التي أصبحت تعيش في عالم الغيبيات مسلوبة الإرادة كالقطعان .
إن البحوث الأثرية تثبت يوما بعد آخر حقيقة أن الشرق قبل الإسلام كانت شعوبه تدين بالمسيحية
التي انتشرت بسرعة كما تنتشر النار بالهشيم وعن اقتناع دون سيف أو حرب أو قتال أو جزية ، وآخر ما أعلن عنه هو وجود آثار لثلاثة وثلاثين ديرا مسيحيا في منطقة النجف في جنوب العراق اكتشفت حديثا والذي أعلن عن وجودها ليس عالم آثار غربي أو باحث مستشرق أو مؤرخ مسيحي بل هو أستاذ التاريخ في جامعة الكوفة ( الدكتور حسن الحكيم ) في ندوة ثقافية نظمت ضمن فعاليات (النجف عاصمة الثقافة الإسلامية) يوم 8/4/2011 وستجدون الرابط في نهاية المقال أيضا للذي يرغب بالاطلاع عليه ، إن هذا الإعلان مع كثير جدا من الأدلة الموثقة تؤكد ما ذهب إليه المؤرخون المحايدون من أن المسيحية كانت منتشرة في العراق وبلاد الشام واليمن وحضرموت وعمان واليمامة والبحرين وشمال شبه الجزيرة العربية ومصر وبلاد النوبة والسودان وليبيا وجنوب الجزيرة العربية حتى وصلت إلى الهند قبل الغزو الإسلامي ولكن معتنقيها أجبروا بالقوة على تركها ، وهذا موضوع آخر سوف أتطرق إليه في مقالة أخرى وكذلك سأخصص مقالة عن الكنائس والأديرة التي كانت منتشرة في كل من مصر والعراق والشام وحتى شمال الجزيرة العربية والبحرين وقطر والأهواز وفي جميع المناطق التي دخلت إليها المسيحية وكيف تم تدميرها أو الاستيلاء عليها وتحويلها إلى مساجد .
إن استعراض تاريخ المسيحية في الشرق ومدى انتشارها يحتاج إلى مقالات كثيرة ولكن باختصار شديد
وتاريخيا أقول إن الديانة المسيحية انتشرت في بلاد الشام والعراق ومصر على يد رسل السيد المسيح ، الذين خرجوا من ارض اليهودية وبالتحديد من مدينة أورشليم مهد الديانة المسيحية إلى باقي أصقاع الأرض لنشر ديانة المحبة والسلام والمساواة كما أوصاهم السيد المسيح ، وذلك في أواسط القرن الأول الميلادي وبدأت بالانتشار بين السكان الذين كانوا يدينون بالديانات القديمة ففي ارض الرافدين على سبيل المثال دخلت على يد الرسل القادمين من سوريا وكان غالبية السكان آنذاك من الكلدو أشوريين يدينون بالديانات النهرينية القديمة كالسومرية والأشورية والكلدانية والبابلية القائمة على عبادة الآلهة حيث اختلفت تسميات الآلهة باختلاف القوميات والأزمنة ، مع وجود أقلية تدين باليهودية والصابئية والزرادشتية أي المجوسية التي كان الفرس يدينون بها ، ويذكر الدكتور جواد علي في كتابه المفصل
في تاريخ العرب قبل الإسلام ( إن النصرانية انتشرت في العراق وهي ديانة تختلف عن ديانة الحاكمين الفرس غير أن الفرس لم يكونوا يبشرون بدينهم ولم يكن يهمهم دخول الناس فيه لأن المجوسية كانت ديانة خاصة بهم وهذا ما صرف الحكومة عن الاهتمام بأمر أديان الخاضعين لها من غير أبناء جنسها إلا إذا وجدتها تتعارض مع سياستها ) وكانت هذه السياسة التي اتبعها الفرس في بداية وصول المسيحية إلى العراق سببا في انتشارها لأنها لم تجد مقاومة من الفرس خاصة إنها لم تكن من
النصرانية المتشيعة للروم أعداء الفرس لذلك غضوا الطرف عنها فانتشرت أولا في نصيبين ومنطقة الجزيرة في شمال العراق والمحصورة بين دجلة والفرات ، ومن ثم انتشرت في باقي مدن العراق كالموصل وسلوقية والمدائن واربيل وكرخ سلوخ (كركوك) وكشكر ( واسط ) والحيرة ، وفي القرن الثاني الميلادي تحول غالبية سكان العراق إلى المسيحية بل صنعوا مذهبهم الخاص بهم وهو ( المذهب النسطوري ) وانتشرت الكنائس المسيحية في جميع أنحاء بلاد النهرين وأصبحت المدائن مقر الكنيسة النسطورية العراقية الرسمية ومقر المرجع الأعلى ( الجاثليق ) وأطلق عليها اسم كنيسة بابل ، كما إنها كانت قد نمت في سوريا خاصة في مدن أقسس وإنطاكية ومنهما انتشرت إلى باقي أجزاء بلاد الشام ، وكذلك مصر دخلت إليها المسيحية منذ القرن الأول وأصبحت مدينة الإسكندرية مركزا رئيسيا للكنيسة القبطية وهي التي ساهمت ( كما يذكر المقريزي في كتابه تاريخ القبط ) في نشر المسيحية في بلاد النوبة والسودان وأثيوبيا وليبيا بعد إن اعتنقها كل سكان مصر من الأقباط ، وقد كانت كل من بلاد الشام ومصر وشمال أفريقيا في ذلك الوقت تحت سيطرة الإمبراطورية الرومانية وعلى الرغم من سطوة الرومان وقسوتهم ومحاولتهم التصدي لانتشار الدين المسيحي لم يتوقف الدين عن الانتشار حتى في مركز الإمبراطورية وفي جميع المناطق الخاضعة لها .

اعتناق القبائل العربية الديانة المسيحية
إن انتشار المسيحية في الشرق لم يقتصر على سكان البلاد الأصليين في كل من بلاد الشام والعراق وشمال الجزيرة العربية وبعض أقطار الخليج العربي ومصر وشمال أفريقيا وإنما اعتنقته القبائل العربية التي زحفت من الجزيرة العربية إلى الهلال الخصيب ( أي العراق وبلاد الشام ) منذ بداية القرن الثالث الميلادي وتواصل زحفها حتى القرن السادس ، وتمتد ديار القبائل والبطون العربية في بلاد الرافدين من أقصى جنوب العراق إلى شمال الجزيرة الفراتية على ضفتي نهر الفرات ففي الجنوب عرب الحيرة وهم العباديون وأياد وفي الوسط تغلب والنمر وتنوخ وفي الجزيرة الفراتية تنوخ وتغلب وبكر بن وائل وأياد وسكنوا بعض المدن كالحيرة والانبار حيث استطاعوا تكوين دولة عربية سميت باسم مملكة المناذرة قبل ظهور الإسلام وتحالفوا مع الفرس وأصبحوا سادة العرب وامتد نفوذهم إلى الجزيرة العربية والخليج خاصة البحرين وقطر ، وتذكر المصادر الإسلامية كالمسعودي في مروج الذهب وأبو الفداء في تقويم البلدان وابن خلكان في ترجمة أبي العلاء المعري وأبو الفرج الأصفهاني في كتابه الأغاني وغيرهم أن أقدم الأدلة على تنصر عرب العراق يعود إلى القرن الرابع الميلادي حيث انتشرت الأديرة في جوار مدينة الحيرة وأصبحت الحيرة أسقفية تابعة للمدائن ، ومن الحيرة امتدت الصلات بين قريش والعراقيين وكانت صلات تجارية اشترك فيها سراة نصارى الحيرة في الأعمال التجارية مثل كعب بن عدي التنوخي وكان أبوه أسقفا على مدينة الحيرة ، كما ان الانبار كانت أيضا مركزا عربيا مسيحيا من قبائل تنوخ ونمر ودعيت ( مدينة العرب ) وكان لها أساقفة معروفون كما انتشرت المسيحية بين عرب الجزيرة الفراتية في منطقة نصيبين ونينوى وسنجار وجميع القبائل العربية التي استوطنت تلك المناطق ، أما في القرن السادس الميلادي فقد جاءت إلى العراق موجة جديدة من القبائل العربية المسيحية التي هاجرت من اليمن ونجران كما ورد في كتاب معجم البلدان لياقوت الحموي وكتاب سيرة الرسول لابن هشام بعد اضطهادهم من قبل الأمير اليهودي ذونؤاس وأسسوا مدن في جنوب العراق منها كشكر (واسط) وعاقولا (كوفا) وتعلموا اللغة السريانية .
أما في بلاد الشام فتذكر اغلب المصادر ومنها كتاب البلدان لابن الفقيه وكتاب عيون الأخبار لابن قتيبة وكتاب مروج الذهب للمسعودي إن قبائل قضاعة العربية أول من دخلوا إلى بلاد الشام واتصلوا بملوك الروم فجعلوهم ملوكا بعد أن تنصروا ، وهناك قبائل بني سليح العربية التي اعتنقت أيضا المسيحية ومنهم الضجاعم وكانوا ملوكا على أطراف الشام من فلسطين إلى قنسرين حيث انتهت هيمنتهم على من بالشام من العرب ( كما ورد في كتاب الكامل لابن الأثير )على أيدي بني جفنة الغساسنة الذين ينحدرون من الازد الذين هاجروا من اليمن ، وفي شمال الشام استقرت قبائل تنوح قادمة من العراق كما إن هناك قبائل عربية أخرى نزحت إلى الشام من ذرية كهلان وهم طي وعاملة ولخم وجذام وغيرهم ولم يكن لهم مقر ثابت كقبائل بهراء وأياد بن نزار ، هذه القبائل كانت تدين بالوثنية السامية إلا أن مجاورتهم لمسيحي سورية الذين كانوا منضوين تحت كنيسة أنطاكية شجعهم لاعتناق المسيحية ، وهكذا نجد أن القبائل العربية المتواجدة في سوريا تم تنصيرهم بشكل مكثف في القرن الرابع
وبدأت المسيحية بالانتشار على أيدي الرهبان المتواجدين في الصحراء وتواصل تنصر القبائل العربية خلال القرن الخامس والسادس الميلادي وأقيم لهم أساقفة عرفوا بأساقفة المضارب أو أساقفة العرب وكان هناك مراكز لأساقفة المضارب قرب دمشق وقرب بعلبك ، كما تنصر عرب الشمال من بنو تتوخ في حاضر قنسرين وحلب والغساسنة تنصروا في القرن السادس الميلادي وأصبحت لهم أسقفية خاصة سميت بأسقفية غسان وكذلك جرت حملة تنصير في قلب صحراء الشام ، ويظهر مما ذكرته إن المسيحية غلبت على عرب الشام في أواخر القرن السادس الميلادي وكانت لهم في بعض المناطق كنائس خاصة رأسها أيضا عرب من القبيلة نفسها ، أما في الحجاز فيشير الطبري وابن خلدون وابن هشام إلى تواجد المسيحيين فيها فيروي الطبري في تاريخه ( أن مسلة جنائزية اكتشفت قديما في جبل عقيق القريب من المدينة تحمل حروف سريانية كانت تعلو احد قبور رسل المسيح ، وكانت تبوك حصنا يسكنه نصارى قضاعة وجاورهم بني كلب من قبيلة تغلب النصرانية ) وكانت المسيحية قد تغلغلت في الجزيرة العربية قبل الإسلام ويقول ابن قتيبة أن النصرانية كانت في ربيعة وغسان وبعض قضاعة ، ويشهد الجاحظ في كتابه الحيوان ( أن النصرانية وجدت سبيلها في تغلب وشيبان وقضاعة وسليح والعباد وتنوخ ولخم ) كما أن ابن حزم أورد في كتابه جمهرة انساب العرب ( إن أياد كلها وربيعة كلها وتغلب والنمر وعبد القيس كلهم نصارى) .
استطاعت هذه القبائل العربية التي تنصرت إقامة دولا في المناطق التي نزحت إليها ومنها دولة المناذرة في العراق ودولة الغساسنة في بلاد الشام ودولة كندة في نجد (التي قامت بدور تبشيري في وسط الجزيرة العربية منذ منتصف القرن الخامس ) ، وعندما بدأت الجيوش الإسلامية بالزحف إلى خارج الجزيرة استقبلتها هذه الدول العربية وقدمت لها المساعدات اللوجستية ولكن قيام قادة هذه الجيوش على إجبار السكان على اعتناق الإسلام بقوة السيف ادت الى وقوف هذه الدول العربية ضدهم فقتل الكثير من المسيحيين العرب على أيدي القوات الإسلامية وهرب القسم الآخر إلى دولة الروم البيزنطيين ، أما من تبقى منهم فلقد استطاع القادرين منهم على دفع الجزية والمحافظة على عقيدتهم وبالنسبة الغير قادرين على دفع الجزية فلقد دخلوا الإسلام خوفا من القتل ، ومن لا يصدق ما كتبته عليه بكتب التاريخ والتراث الإسلامي ففيها آلاف الصفحات التي توضح للقارئ الحقائق التي لن يستطيع احد أن ينكرها أو يمحيها كما عملت ولا زالت تعمل الكثير من الجهات على محو الآثار المسيحية من على الأراضي العربية لطمس التاريخ المسيحي في الشرق والمعمذ بالدم .

بواسطة : Administrator
 0  0  1.4K
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو 05:10 الأربعاء 18 سبتمبر 2019.