• ×

قائمة

الميثاق الوطني .. بقلم : د. اسكندر لوقـا

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
شام بريس  في بعض الأحيان ، يُضطر أحدنا إلى استذكار بعض المواقف الوطنية التي عبر شعبنا من خلالها عن تمسكهم بمواطنتهم ، بغية الإفادة من تبعاتها على أرض الواقع . وفي تاريخ سورية الحديث العديد من المواقف التي يمكن أن يستوحي المواطن العربي السوري منها ما يزيده تمسكا بثوابته الوطنية والقومية على حد سواء ، وخصوصا في ظرف يفرض عليه التنبه لما يحاك له ولوطنه من مؤامرات ، كما هو حال وطننا الحبيب سورية في الظروف الراهنة.
في العام 1926 - على سبيل المثال - وفي مواجهة مثل هذه المؤامرات ، عقد زعماء الثورات العربية السورية اجتماعا في إحدى مراكز العمليات ضد الاحتلال الفرنسي ، برئاسة الزعيم الوطني المعروف " عبد الرحمن الشهبندر " . وبنتيجة التداول الذي تم بينهم حول الأوضاع السائدة في البلاد ، وضرورة تحصين أبناء الشعب وطنيا وقوميا على حد سواء ، أصدر المجتمعون ما عرف بالـ " الميثاق الوطني للثورة " متضمنا مطالب " الأمة " وسبل تحقيقها عن طريق مواصلة حمل السلاح ومقاومة المحتلين حتى الاستقلال .
وحين يتوقف أحدنا أمام ما ورد في سياق الميثاق حول مسألة الـ " الأمة " يستطيع تبيّن أخلاقيات الثوار الشرفاء الذين صنعوا استقلال سورية ، وكانوا طليعة الثوار في باقي الأقطار العربية وصولا إلى استقلال بلدانهم . يتبيّن أن الميثاق لم يتوقف عند القول " مطالب السوريين" فقط ، بل تخطى هذه المعادلة على أهميتها وصولا إلى " مطالب الأمة " ، ومن هنا يشعر أحدنا بالحزن ، وبخيبة الأمل من مواقف بعض " الإخوة العرب " ، الذين لم يكتفوا بالوقوف على الحياد في مواقع المتفرجين على ما يحدث في سورية هذه الأيام فحسب ، بل ساهموا في إزكاء مشاعر الحقد على البلد الذي كان دوما الرائد في المواقف والظروف التي استدعت العمل على صون كرامة العرب والدفاع عن حقوقهم المسلوبة ، وكان دوما البلد الذي طالما فتح ذراعيه مستقبلا أشقاءه العرب في ظروف الأزمات التي أحاطت ببلدانهم ، وكان بالنسبة إليهم ملجأ الأمن والأمان ولا يزال حتى اليوم.
إن ميثاق زعماء الثورة الذي صدر في مثل هذه الأيام من العام 1926 ، هو بحق كان ميثاق شرف ، لا على غرار المواثيق التي تصدر مسايرة أو باستحياء أحيانا كي تفقد مفعولها على أرض الواقع بعد صدروها بأسابيع أو بأشهر قليلة . كان ميثاق العام 1926 ميثاق شرف بحق ، وكان وجها مشرقا للثورات التي اشتعلت في سورية ولم تفقد ألقها حتى طرد آخر جندي فرنسي محتل لسورية ، بعد أن كانت قد وطئت أرضها في أعقاب خروج الجيوش العثمانيين منها في العام 1918 .
إن زعماء الثورات العربية السورية ، لم يكن أحدهم يعمل وفق أجندة كتبت سطورها بأحرف من حبر الدولار أو أية عملة عربية أو أجنبية أخرى ، أسطرها في العام المذكور استمدت هويتها حصرا من دماء شهداء الوطن في سبيل التحرر من الاستعمار ، ولذلك بقيت أسماؤهم ومواقفهم البطولية ، لا ثرواتهم أو مناصبهم ، بقيت خالدة في ذاكرتنا وتبقى كذلك على مدى الدهور الآتية . ومن تاريخ هؤلاء الأبطال ، يستمد الشرفاء من أبناء شعبنا في الظرف الذي تمر بها بلادنا هذه الأيام ، يستمدون عزيمتهم على هزم التآمر على وطننا ، بوحدتهم الوطنية وبتلاحمهم ، شعبا وقيادة معا . وفي سياق هذه المعادلة لم ولن يقوى أعداء الداخل والخارج قطعا على محو تداعياتها الثقافية والاجتماعية مهما بذلوا من مساع حثيثة لتمرير أهدافهم المشبوهة .
ترانا نأمل بصدور ميثاق وطني مرتجى ، يرسم لأبناء أجيالنا القادمة طريق الارتقاء إلى مستوى المجتمعات المنيعة على محاولات الاختراق لتشويه تاريخها بأية وسيلة كانت ؟ نأمل ذلك.
بواسطة : Administrator
 0  0  792
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو 13:22 السبت 21 سبتمبر 2019.