• ×

قائمة

أسيزي بعد ربع قرن.. حوار مع المطران مار غريغوريوس يوحنا ابراهيم

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
ishtartv.com 

بتكليف من قداسة سيدنا البطريرك المعظّم مار إغناطيوس زكا الأول عيواص بطريرك أنطاكية وسائر المشرق الكلّي الطوبى، شارك نيافة راعي الأبرشية في أسيزي 1986 وأسيزي 2002 وأسيزي 2011 ونقل نيافته انطباعاته إلى السدة الرسولية عن هذه الأحداث الهامة في عالم الحوار بين الأديان اليوم، وكان قداسته قد تلقّى الدعوة في كل المرات من صاحبي القداسة البابوين يوحنا بولس الثاني وبيندكتس السادس عشر ليشارك شخصياً، ولكنه فضّل أن يوفد نيافة مطران حلب مار غريغوريوس يوحنا إبراهيم ليشارك ويساهم في هذه المناسبات العالمية باسم قداسته، وممثلاً كنيسة أنطاكية السريانية الأرثوذكسية،

ونظرا لأهمية هذا الحدث المسكوني النادر التقى موقع المطرانية السريانية الحلبية

Alepposuryoye.com

نيافة مطران حلب وحاوره عن أهمية أسيزي 2011، وكانت كل الأجوبة واضحة وهي تغني العودة إلى مصادر أخرى تتحدث عن هذا الحدث المسكوني الكبير، وهكذا دخلنا في حوارنا مع نيافته بالسؤال الأوّل.



س 1 : لماذا أسيزي ثالثة ؟

ج 1 : إنّ الذي حدث في أكتوبر تشرين الأول سنة /1986/، كان حدثاً كبيراً، أولاً: لأن دوائر الفاتيكان بالذات لم تكن متفقة على أن يقع هذا الحدث، ففتح صفحة جديدة من العلاقات بين الكنيسة الكاثوليكية والكنائس المسيحية من جهة، وبقية الديانات المعروفة في عالمنا من جهة أخرى، يحتاج إلى قبول نفسي وروحي، وإلى آلية تتابع هذا الحدث وتنفذ رغبات قداسة البابا يوحنا بولس الثاني، الذي عرفه العالم بالعقل المنفتح والقريب من كل الناس، وأذكر وأنا الحاضر في ذلك اليوم أنّه عُدَّ من أيام التاريخ، فقادة وممثلو الأديان ومذاهبها، التفّوا حول قداسة البابا في ساحة القديس فرنسيس الأسيزي، وهم يشعلون شمعة يريدون من ضيائها أن يستتب الأمن في كل مكان، وأن ينتشر السلام في العالم، ولن ننسى أننا كنا نعيش الحرب الباردة بين الجهات المتصارعة، وكانت هنالك ثغرات موبوءة بالاقتتال لها أشكال متنوعة بعضها أثنية وبعضها الآخر سياسية، ولم يكن الدين بعيداً عن هذه الصراعات، وأذكر أن قداسة البابا يوحنا بولس الثاني كان همه أن يؤكد للعالم بأن تعاليم الديانات لم تكن سبباً من أسباب هذه الصراعات والخصومات الموجودة بين الشعوب والأمم والدول، وإن كان قادة بعض هذه الديانات يشكّلون عقبات في طريق اتفاقات في أماكن مختلفة من العالم من أجل التوصل إلى استقرار بين الجهات المتناحرة، وفي رأيي ثانياً: أنّ المنظمين لهذا الحدث نجحوا إلى حدّ ما في بعث رسالة للعالم من خلال من مثّل الأديان في هذا اللقاء التاريخي.



س 2 : هل من مواقف إيجابية ظهرت في ذلك اليوم ؟

ج 2 : نعم، أهم شيء أن العالم كله سمع نداء قداسة البابا الذي توجه به إلى الجهات المتصارعة طالباً منهم أن يعلنوا يوم هدنة بينهم، فتعيش المناطق الساخنة يوماً بدون أصوات الرصاص، أو مدويات القنابل، وصرخات الصواريخ، وأزيز الطيران الحربي، وكان كذلك فالاستجابة دلّت على أن الرغبة موجودة في إنهاء حالة الحرب والدخول إلى حالة سلام، ولكن الآلية لم تكن موجودة قبل أسيزي لهذا اعتبر من حضر في ذلك اليوم إعلان الهدنة مكسباً كبيراً في ذلك اليوم.



س 3 : ماذا حصل بعد ذلك اليوم ؟

ج 3 : لقد تبنت جماعة سانت إيجيديو فكرة قداسة البابا يوحنا بولس الثاني ودعت إلى لقاء سنوي شخصيات دينية هامة تمثل كل الأديان للصلاة من أجل الأديان، ولم تتوانَ ولو مرة واحدة عن تحقيق رغبة وحلم البابا في أن يحل السلام محل الحرب، وأن يعيش الناس في سلام ومحبة، وأن تبنى جسور لتمتين العلاقات الطيبة بين الدول والأمم والشعوب، وعن نظرتي للأمور وأنا الذي شاركت في كل اللقاءات أن ما تحقق في الربع قرن الماضي يشير إلى أنّ حالة الصداقة التي بنيت في اللقاءات كانت هامة جداً، ولهذا بقي روح أسيزي حياً ليس فقط في هذه اللقاءات وإنما بين ممثلي كل الأديان حتى عندما كانوا يعودون إلى أوطانهم.



س 4 : قلتم أن هذا اللقاء في أسيزي هو الثالث ؟

ج 4 : الحقيقة أن اللقاء الأول كان في عام /1986/ الذي ترأسه قداسة البابا شخصياً، أما الثاني فكان في سنة /2002/ لأن أحداث 11 /أيلول التي غيَّرت وجه العالم كانت تستدعي أن يتم لقاء آخر على مستوى عالمي يظهر فيه قادة الأديان موقفهم بعد تدمير برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، فدعا أيضاً قداسة البابا يوحنا بولس الثاني إلى لقاء أسيزي وصلى الجميع حسب تقاليدهم من أجل السلام العالمي، واستنكروا هذا العمل الجبان وأيدوا كل محاولة تدعو إل السلم العالمي، وكان هذا أيضاً تأكيد على أن روح أسيزي 1986 ستبقى مستمرّة في حياة الأديان المحبة للسلام.



س 5 : إذاً ماذا عن أسيزي في هذا العام 2011؟

ج 5 : كانت مبادرة جميلة جداً من قداسة البابا بندكتوس السادس عشر أن يدعو مثل سلفه قادة الأديان وممثليها إلى لقاء صلاة وتأمل في أسيزي وهي مدينة راهب عاش حياة تقوى وتقشف وخدم العالم بالصلاة، وعمل من أجل السلام، ان القديس فرنسيس الأسيزي مؤسس الرهبانية الفرنسيسكانية وذلك للمرة الثالثة في يومي 27-28/تشرين الأوّل/2011

وهو يستذكر موقف سلفه الراحل يوحنا بولس الثاني في محبته لربط العلاقات بين الشعوب والأمم، وبناء الجسور بين الأديان، مصمماً على أن روح أسيزي يجب أن تتفاعل مع أصحاب المقامات الدينية العالية من أجل إحلال السلام وإنهاء حالة الحرب في كل مكان.



س 6 : هل شاركت كل الأديان ؟

ج 6 : نعم، الذين حضروا سواء من الديانة المسيحية أو الإسلامية أو اليهودية، كانوا فعلاً يحملون رغبة صادقة من أجل العمل معاً لترسيخ مفهوم السلام العادل والشامل في المنطقة، ولا أريد أن أعدد المذاهب الدينية الكثيرة، ولكن هذا الحدث يستدعي حضور كل ذي شأن ومهتم بالسلام العالمي، عدد كبير من الكرادلة والبطاركة والأساقفة والمشايخ ورجال الدين من كل الأديان.



س 7 : كيف تلخصون هذا الحدث ؟

ج 7 : في رأيي المتواضع أن كلمة البابا في هذا اليوم وهو يوم تأمل وحوار وصلاة كانت مهمة جداً إذ أشار أولاً إلى أن تهديد السلام في تلك الفترة أتى من انقسام كوكب الأرض إلى كتلتين متناحرتين، وكان جدار برلين أبرز رموز هذا الانقسام، وسقط هذا الجدار عام /1989/ ثلاثة أعوام بعد أسيزي دون إراقة دماء. لم يعد هناك فجأة أي معنى للترسانات الهائلة خلف الجدار وفقدت قدرتها على إثارة الذعر، كانت رغبة الحرية لدى الشعوب أكثر قوة من ترسانات العنف.

ولكن في رأي قداسته هذا لا يعني انتصار السلام حيث استمرت الخلافات كما بدا عالم الحريات دون وجهة في أغلب الحالات، وأساء كثيرون فهم الحرية معتبرين إياها أيضاً حرية العنف.

وكان جميلاً عندما حلل البابا بندكتوس السادس عشر ما وصفه بشكلي العنف الأساسيين أولهما الإرهاب الذي يختلف عن الحروب في قيامه بعمليات مستهدفة لضرب الغريم في نقاط هامة بشكل مدّمر دون أي إكتراث بحياة أناس أبرياء يُقتلون أو يُصابون بشراسة في هذه العمليات، وأضاف : نعرف جيداً كيف يبرر الإرهاب بدوافع دينية وكيف يُستغل الطابع الديني لهذه العمليات من أجل تبرير القسوة الشرسة.

ولنسمع ما يقوله البابا في من يتسبب في العنف : ولهذا يثير مخاوفنا كرجال دين بشكل كبير اعتبار الدين دافعاً لارتكاب العنف. وأضاف : علينا بقوة وبحزم أن نكرر هنا شأن أسيزي عام /1986/ ليست هذه حقيقة الأديان. ويعتبر البابا البحث عن حقيقة الدين التي تجمع الأديان المختلفة الوسيلة لمواجهة اللجوء إلى العنف، وهنا تأتي أهمية حوار الأديان.

أما عن الشكل الآخر للعنف فقال البابا : إنه ينطلق من دوافع معاكسة تماماً لكونه نتاج غياب الله، نكرانه وفقدان الإنسانية الذي يرافق عادة هذا الأمر. أكَّد بندكتوس السادس عشر هنا أن رفض الله أسفر عن قسوة وعنف لا سوابق لهما بعد أن رفض الإنسان الاعتراف بأية قواعد وبأي حكم يفوقه مرتبة، واعتبر نفسه القاعدة الوحيدة. وقد أكَّد بندكتوس السادس عشر أنه لا يريد الحديث عما وصفه بـ إلحاد الدول، بل عن تردي الإنسان لأن غياب الله يؤدي إلى انهيار الإنسان والإنسانية. وتساءل: ولكن أين الله ؟ هل نعرفه فعلاً وهل يمكننا الكشف عنه للبشرية من أجل تحقيق سلام حقيقي ؟

تحدث البابا هنا عن وجود فئة من البشر تختلف عن المتدينين والمناهضين للدين، أي هؤلا الذين لم يُمنحوا هبة الإيمان لكنهم يبحثون عن الحقيقة، يبحثون عن الله. وهؤلاء من يمكن أن نطلق عليهم اسم حجاج الحقيقة، حجاج السلام، الذين يسلبون الملحدين ثقتهم الزائفة في عدم وجود الله. أشار إلى دعوته ممثلي هذه الفئة إلى أسيزي كي نتواجد هنا معاً لكوننا جميعاً في مسيرة نحو الحقيقة.



س 8 : هل دارت الأحاديث حول منطقة الشرق الأوسط ؟

ج 8 : بكل تأكيد فإنّ منطقة الشرق الأوسط في الوقت الحاضر حالة ساخنة وربيع العرب أصبح مصطلحاً عالمياً، والكل يتطلع إلى تطورات التغييرات الجذرية في بعض الدول، وإذا كان العراق هو البداية فلا أحد يعرف أين هي النهاية، والكل قلق في العالم لما يجري اليوم، هنالك شعور بأن هذه التغييرات أصبحت حاجة ملحة لا بد من حدوثها، ويتحدث المحللون عن سيناريوهات كثيرة، ولكن تبقى في حاجة إلى براهين حسية تبين مدى إمكانية تحقيق هذه السيناريوهات دون أن تخلق متاعب جديدة للإنسان.



س 9 : هل تحدثتم عن الوضع الراهن في سورية ؟

ج 9 : طبعاً، سورية في القلب هذا وطننا الغالي الذي نريد له كل خير ونتمنى أن يبقى معززاً مكرماً في كل مجالات الحياة، ونفتخر بأن سورية هي أنموذج الوحدة الوطنية والعيش معاً تحت شعار المواطنة، إننا نشعر بألم ونحن نتابع الأحداث الأليمة في سورية، ونسأل الله أن يعيد ذلك اليوم الذي فيه ترفرف رايات الوحدة الوطنية فوق سماء سورية، ويعيش المواطنون بأمان وسلام ويستذكرون الماضي المجيد ويعملون معاً في سبيل سعادة المواطنين ورفاهية الوطن.



س 10 : هل التقيتم شخصيات وتحدثتم في موضوع سورية معهم ؟

ج 10 : أولاً طلبت من قداسة البابا شخصياً أن يصلي ويعمل من أجل استقرار سورية وأمانها، ثم تحدثت شخصياً مع نيافة الكاردينال موسى داوود، وغبطة رئيس أساقفة كنتربري وليّم روين، والأمين العام لمجلس الكنائس العالمي أولاف فيسك تفيت، والأمين العام لمنظمة الأديان من أجل السلام وليّم فندلي، وبعض الكرادلة والبطاركة الكاثوليك، وكنت قبلاً قد التقيت في ألمانيا الدكتور فولكير كاودر، وشخصيات أخرى نحاول من خلالها أن نعطي الصورة الحقيقية والواقعية في سورية، وأن القمع والعنف لا يجديان نفعاً وأن الحوار البنّاء هو الأساس لأي تقدم.

نتمنى لكم كل التوفيق.
بواسطة : Administrator
 0  0  980
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو 18:30 الثلاثاء 22 أكتوبر 2019.