• ×

قائمة

الأحد الأول للمجيء: "يا ليتك يا رب تشقّ السّماوات وتنزل!"

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
abouna.org 

يصرخ النبيّ أشعيا متوسّلا بدموعه وهو يحلم بنزول الربّ من السّماء إلى "أرض النّاس"! وفي أيّامنا يعتقد قوم العهد القديم أنّ هذا الحُلم صعب المنال أو من المحال. ويرى الايمان المسيحيّ أنّ النبوّة تمّت عندما "صار الكلمة جسدا وضرب خيمته بيننا" (عن يوحنّا 1 : 1 و 14).



ويشير المرء هنا إلى نوع من اليأس أو من فراغ الصّبر عند نفر من العبرانيين غير قليل إذ تأخّر "الماشياح" الموعود في مجيئه، ولا بوادر لقدومه ولو توهّم بعضهم أنّ إعادة بناء الهيكل وشيكة. وفي هذه الأثناء استسلم كثيرون للواقع المرير وصارت عبارة "إلى أن يأتي الماشياح" تعني "أبدا!" وحسِبَ بعضهم أنّ الشعب اليهوديّ كلّه هو هو "المسيح المتظر" (فالشعب منتظِر ومنتظَر في نفس الوقت!) وارتأى آخرون في كيان سياسيّ عسكريّ تحقيق النبوّات، ورفض آخرون ذلك الكيان رفضا قاطعا. أمّا "اليهود من أجل يسوع" المعروفون بالمشيحانيين فإنّ عددا منهم لا يقرّ بلاهوت السيّد المسيح بحيث أنّ "تمزيق الله للسماوات ونزوله" ما تحقّق عندهم ولن يتحقق!.



ويؤمن كثيرون في العالم العبري والعربيّ أنّ من المحال "أن يسكن اللاهوت جسدا" (بخلاف قولسي 2 : 9) حرصا منهم على سموّ الطبيعة الالهيّة. ولكن المسيحية، بتعليم الرسالة إلى العبرانيين ونصوص أخرى، تحفظ قيمة اللاهوت إذ تعلن السيّد المسيح شبيهاً بنا "في كلّ شيء ما عدا الخطيئة" (عبر 4 : 15).



لا يتردّد الشّاعر النبيّ أشعيا في أن يسأل الله: "لماذا أضللتَنا عن طُرُقك وقسّيتَ قلوبنا عن خشيتك؟" نصطدم هذه المرّة أيضا بالعقليّة الشرقيّة السّاميّة التي تنسب بسهولة كل شيء إلى الله وكأنّ لا دور للإنسان خصوصاً في الشّرور! ونعرف القول الدارج "كل شيء من الله" - وهذا القول بحاجة إلى إيضاح!.



معرفة لسان كنعان واللغات الساميّة الأخرى تساعدنا على تفسير هذه الكلمات التي تبدو قاسية. صيغة "هفعيل" (التي تقابل مرارا صيغة "أفعلَ" العربية) والتي نجدها في لفظتَي"تطعينو" و "تقشياح" أي "تضلّل" و "تقسّي" لا تعني أنّك اللهمّ (ولعلّ لفظة "اللهمّ" من العبرية "ألوهيم") جعلتنا نضلّ ولا جعلت قلوبنا قاسية بل تركتنا في ضلالنا وتركت قلوبنا تقسى، لا محبّة منك يا ربّ بالشّرّ بل احتراما للحرية التي منحتنا. وفي هذا المعنى يجدر بالمرء أن يفهم عبارات مثل "الله يُضلّ" لا حاشى وكلاّ أنّه تعالى يقود إلى الضّلال بل أنّه يترك فيه الذين اختاروا السّوء والضّلال والغيّ.



ومن هذه العبارات والتّفسيرات عبرة لنا: ألاّ نلوم الله على الشّرّ، كما ينبّهنا القديس يعقوب الرّسول أوّل أساقفة مدينتنا المقدّسة (1 : 13 ت)، ولا نقتدي بالانسان الاوّل الّذي اتّهم المرأة "التي وضعها الله له" بإغوائه، ولا بحوّاء الّتي ما اعترفت بخطئها (عن تكوين 3 : 12-13).



إن لم نقرّ بخطايانا فلا أمل لنا في خلاص لا نحتاجه كما "لا يحتاج الأصحّاء إلى طبيب"!.
الأب د. بيتر مدروس - القدس



بواسطة : Administrator
 0  0  898
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو 23:28 السبت 21 سبتمبر 2019.