• ×

قائمة

فضاءات الأب يوسف سعيد، ( السَّماء، الماء)

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
جزيرة كوم  فضاءات الأب يوسف سعيد، ( السَّماء، الماء)

السَّماء

سماء بقربها تنحني عروش أزمنة متلألئة بشموع
من مجرّات أفلاك عوالم أخرى..
سماء جواهرٌ لأزمنة برّاقة في بطون الأرض..
سماء دهور متلاحقة مخثّرة بغمر من رواشح روحي الكلّية..
سماء ذات رموش فضّية ..
على مناكبها تستريح أجنحة مخثّرة ..
نسجتها آلهة العناصر بمغازل صمتها ..
وحدها آلهة الشعر ذات تقليعات خاصّة ،
تحرّك مادّة الشعر في بواطننا ..

سماء متلألئة من حفيف أجنحة النجوم
سماء لمسيرات أسراب حمام برّي
يرشف من بؤبؤيه تنهّدات من لون الغمام ..
سماء تعطي من رحيق أجفانها دمعة للسُذَّاب العطشان،
ولفسائل النعناع في حديقة أديرة الرهبان ..

سماء تجدل على زنديها ألماسها الغالي الثمن.
تصنع من دبق أقراطها أنصاباً في درب التبّانة.
وفجوات لأزمنة طارئة في كواكب أخرى..
قبل الخليقة سماء من ماء وغمر من ضباب الوهاد الغائرة..
سماء من خلاصات كثافة ديجور الكواكب ..
فيافيها مسيّجة بأسرجة تحملها عذارى
قادمات من جبال الطيوب ..
من دهشة متراكمة على حبال فزعي
تلوح بمناديل ناصعة، يجتزن فيافي الدموع ..

سماء حوافيها لمتّكَآت رجال قبيلة يحملون خبز البركة.
وأقراص من سلوى تحرسها نجوم السماء
سماء لاحتواء خيوط قرمزيّة من نسمات دهشة القدير..
تفتح من طباشير الضباب دروباً لمسيرة السوافي.
سماء كرقعة من سبات تكحّل أجفان آدم وتخرق أحزان الملائكة.
سماء في انحناءآتها على دوالي من عناقيد قناديل المجرّة.
أبوابها تأخذك إلى أغصان تصنع من ألف بائها جسورها ومعابرها،
حفرها الدهريّة من غيوم حبكتها أنفاس الضباب.

سماء تكشف لنا أسراراً في نعاسها المخثّر.
في جيوبها أنهار من دم الورد
مرقّعة بخيوط أنفاس غمر الجبال.
محرّرة كلّياً من براثن هواء شيخوخة الموت.
عناقيد كرومها من أهوال عاصفة معلّقة بأذيالها لغات الأرض.

سماء امتداد لسنين في عضلات نسور جبال السَمَنْدَل.
سقف حنكها يتمضمض بحبّات من رحيق مهجة الطوبى.
تمرّ أجنحتها مرفرفة فوق جداول الزيت لتروي قناديل الصباح ..
أوكارها ومكامنها معبّأة بطيور الحكمة
أقاصيها اللامتناهية عبارة عن مواكب لريح عابرة
تحت مكعّبات جسر المعرفة.
تمطر فوق أجفان معادنها مطر الفضّة البيضاء
ثلوجها مغموسة برقائق ذهب الإبريز.
حاملة أقواساً من تراب الحديد..
راحلة عبر حجارة هيكل سليمان.
شفتيها تستقطران ندى ونفحة تسُفُّها على أديم الماء

سماء لحراسة نواطير كروم الجبال.
سماء تعلو فوق بروج الفجر حيث الامتداد القرمزي
لمسيرة ينابيع جداول الدموع.
تعلو فوق مناجمها مسارح لكواكب تبان كيراعات ذهبيّة..
نيازك نبالها مصنوعة من أقواس فولاذيّة.
أتراسها معقوفة بسهام برّاقة من ندى لمعان الغمر .
حناء كهوفها الدهريّة من غبار الأزمنة.
سماء نغمات مسرجة بفتحات ماندولينية لشعراء الرقص.
سماء نقاط من ماء مطر لترطيب أصابع النغمات.
هوادجها سابحة فوق سجادة طائرة وأسفارها
يدغدغها هواء الصباح.
تتدلدل خيوط أهدابها النقيّة فوق مناهل أحواض لصفاء مياه البحر..
كبهو البهاء لمنطلقات سيلان مرور ماء الجداول ورقرقاتها.

سماء ركائزها ودعائمها من صنع نسمة القدير.
تحمل إشراقات خاطفة لاذعة وتتحدّث بلغات الشمس.
تتوارى خلف جدران الليل العجائبي.
تصنع أصواتها من حفيف جزر النسور ..
تصنع من أوتار أحلامها المحلى بشفق منير.

سماء أقاصيها الناصعة من زبد الأفق اللامتناهي.
لا حدود لمؤخرة شمسها.
قادمة قطاراتها السديميّة على أنفاس أشواقها اللاهبة.
يزغرد قلبها جذلاً للمدينة المختارة.

سماء مناظر ملكوتها أحلى وأثمن من ذهب الإبريز.
حافّاتها تستقطر العسل وقطر الشهادة
غمارها تصنع ميازيب لنشيد من مزن المطر
نازلاً هاطلاً بتكاسل فوق تيارات لجج بحريّة
تغرس في الصباح جفنات كرومها
وفي المساء الحالم تنسج قميصاً مزركشاً
يسدل على جسد الطهر الأناقة.
سماء تمسح العطش من قلب الملوك.
من دموعها تصنع أرغفة لخبز مقدّس.
تتدرّج بتؤدّة
تترنّم بمعزوفات خاصّة بتنهّدات الملائكة ..
سماء من وجهها يتدفّق نور البركة .
تقتحم بصولجان خلخالها
أزمنة مخمّرة بدم القصائد.
أبرع جمالاً من غابات قصب الكتابة ..
براعة نبالها مسنونة بدم زنابق حديقة الملوك.

سماء خيوط أوتار أعواد مغنّيها قادمون
من مدينة الفرح الأكبر..
حافّاتها مطرّزة بخيوط من تبر ذهبٍ مصفّى.

سماء واقفة فوق قبّة الأرض لا تتزحزح.
بينما تجيش بمياهها الثرّة في أرض الحويلة..
تدور التواءآت سواقيها بدقّة بين جنان تحيط بمساكن العلا.
أصواتها كقهرمانات خليقة الحسن والجمال.
تصنع شمسها من سحبها رماحاً لمداعبة نسيم الصباح.

سماء صاعدة بأجنحة هتاف النغمات عازفة ألحاناً من شبابة الروح.
يهزهز كتّاناً ناصعاً نصاعة أنامل من عذارى مصر.
موشّاة بديباج يسربل أسرة فرعون.

سماء منذ بدايات جيل اللفظة الأولى ولد غمر الأبديّة
تحطّمَت متاريس زمن على حافّات سيول الأعوام ..
آهٍ روحي مولعة بتقاطر الأعوام فوق ناعورة العدم ..
سماء مولعة بمداعبة رياح عليا ومناغات قمرٍ أبيض ..
تمطر في الصباح لبانها كورق الرياض وقصب الذريرة

سماء في الطرف الشمالي من خليجها
يتمرّغ الراكب على صهوات الرياح ..
بروج من غيوم تسوِّرها بنحاس أزمنة قديمة.
تقذف من شفرتيها رصاصاً لصائغ الأسرار.
سماء من عظام سديم مجفّف وسقوط دمنة
فوق كتابة من بقايا طلاسم آلهة آشور ..
تروي بخلاصات أهدابها جفنة من كروم الشارون.
تسمعنا في الفجر حمحمة خيولها الزرقاء ..
تلبّي استغاثة الأيام وبنات الجبال
يبحثن عن السرّ الكامن
في تعرّجات تماثيل لآلهة غريبة ..
سماء تحمل أحزان مدينة مكّة ..
مرصّعة بطوبيات الخطبة على الجبل ..
تتراصف نجومها تحت قباب الفرح الأكبر
يستقطر ينابيع الزيت في أورشليم..
تروي من مآذنها السحريّة مجرى مياه حقول البرّية..
تراقب مياه المنافي قادمة من سبي بحر الزوابع ..
مصحوبة ببريق تكتب الفباؤه على منعطفات نجوم عليا ..

سماء تراقب من حصون متاريسها زحف نمور المساء ..
محفوفة بربَاب نغمات أوتارها
تسيل نحو حافّات شواطئ بعيدة ..
أحواضها مملوءة لبناً
يتدفّق من سواقيها الفاغية مرح حليب الطفولة ..

سماء تحت جسورها تعبر قوافل القوّة ..
وينحني بتؤدّة تامّة قوس قزح ..
عواصفها جفقة اهتزازيّة من ماء وهواء وتراب
لصنع بذار يزرع في جبال وحقول آراراط ..

سماء ترمم رؤوس كواكبها بأرقام ضوئيّة لا تحصى ..
تروي طبقاتها الضوئيّة وتنصبّ سقوف سطوحها بسلاهب النور ..
تحرس مواكب الغيوم من تحتها والريح من زجر العواصف ..

سماء كفضّة مغسولة مصفاة في بوتقة تتنفّس غمر الأرض ..
تشمِّر من سهولها العليا حبال غيومها لغزو أعشاش العصافير..
سماء عارية غيومها الملوّنة بدم البحر.
ترتفع وتتعالى وتصنع قباباً خضراء
في مهجة حوافيها لتلاوة ترانيم دهريّة ..
تنضح دموعها العطريّة على صورة مركبة
تحت ظل دهشة الروح ..

سماء لحزن رصانة القلب حيث حفلات للكلمة الفاعلة
أرض المرايا تتحدّث عن طفولة الطفل الوحيد..
هناك في المنحنى مجترحات تحت سنديانة الصمت
سماء سكرى برحيق عنب النبوّة
تترنّح يوميّاً وترعى رياحاً
تداعب جدائل ميسون العربيّة
ملاكها ينحر بجعة الأعوام ويستلقي على سرير الدوالي
ثمّ يكتب بغتةً قصيدة قصيرة ..

سماء تحمل أغصاناً من حديقة رصانتي
تتحدّاني بعنف كسل البارحة تتابع تيّارات مللي ..
معبّأة ببروق اللحظة تلاحق حيوانات سعيدة
مسوّرة أعناقها بألوان من قوس قزح
تتوارى حيواناتها الأليفة أحياناً من ذعرها الأسود
وترحل متوارية خلف غيمة دكناء إلى موائد روحيّة
أعدّها في مواسم ميلاد هجين الغربة لكابي سارة
سماء حملانها الوديعة مختومة بأرقامٍ سحريّة
على خاصرة أفراس بيضاء ..
سماء تصنع من خيوط رعودها أقواساً
للجالس على عرش غيمة الصباح
تجتاز مواكب كبكبات سحبها تطهم خيولها الملوّنة
لحمل أقواسها عبر دروب الأبديّة ..

سماء مرساتها السوداء تداعب جدائل نساء الهاوية ..
متّكآتها من حجر صقيع أزرق حيث الختم
ومجترحات من فعل الكلمة فوق صوّانات هياكل قديمة ..
خواتيمها الذهبيّة مطبوعة على ثياب بيضاء
لامتصاص النور من أكاليل مرفوعة قبالة كواكب الصباح ..
سماء ذات مجرّات برّاقة
تحتسي من كؤوس الفداء خمرة .. كؤوسها من حصباء بيضاء..
في أطراف حدائقها الأزليّة سبع منائر من ذهب الإبريز ..
سماء الألف والياء بدايات لأبجديّة الروح الناطقة
بلغات جديدة تحت شرفات سقوف للروح الكلّية ..
تجترح في لقاءات الكلمة أعاجيبها في أفسس المبجّلة ..
منائرها مكتوبة بالأسماء سميرنا. حاملة أوسمة الثقة ..
برغامس .. لقاءات حكمة الروح تحت شرفات العقل
ثياتيرا .. فوق أجنحتها خطوط بيضاء لملاقاة عصافير الصباح ..
ساردس .. بأشعة قمر يرافق في دورانه أهليليجيات أقمار أخرى ..
فلادلفيا .. مسوّرة بحقول العطاء والخيرات ..
لاودكية .. حاملة ذخائر من بركات الكلمة الحيّة ..
سماء زنّار خواصرها ممنطقة بحزام من صوف أبيض
أكثر بياضاً من زنبقة الربيع ..
سوافيها كلهيب نار ووجناتها من سلاهب زرقاء ..
فوق جداول أصواتها أصوات من رقرقات مياه
وصوت خريرها كأصوات الأبديّة ..

سماء الألف والياء الأوّل والآخر..الشروق والغروب..البحر واليابسة ..
سماء من زمهرير داخل عظام مجفّفة قنواتها تروي بدم الحياة ..
من دهاليز صمت عميق عمق الآباد الآزال.
رتاجاتها خلف دوران كوكب فوق مصاريع العدم ..
نبالها مصنوعة من نيازكها ووجهها لا يحمل لون طحالب البرّية ..
حوافر خيلها بلون دراري المجرّة
تصنع مربّعاتها من روح الغمر ..

سماء تستقطر من أجفانها نقاطاً مدبّبة من ماء السماء
لإرواء أسراب السنونوات الأنيسة.
متّكآت فراديسها من حجر صقيع أزرق ..
سماء محروقة بدم البترول يغزو عفاف الهواء ..
محدودبة الظهر تئنُّ من أوجاع المدينة .
ثكناتها ملتقى لربوات من ملائكة الرحمن ..

سماء حجر لألفباء كتابة المراثي قبالة شمس حزيران ..
أجنحة طيورها ترفرف فوق مستشفى العزّل
حيث بعبع السلّ يزحف إلى بطانيات المرضى.
سماء من كلس ممزوجة ببودرة صباح الكآبة.
وورق أشجارها حاكته إبرة الصواعق ..

سماء ترفرف بأهدابها فوق أعشاش بلابل الجبال..
سماء أهيم بحبّها فأرى في مدارجها حقول وردة الشمس ..
سافرت نحو ساق الألف
في أعماقي تمور وتستيقظ غابات الألف
حيث مظلات روحي تتأقّلم داخل تجاويف الدمّ ..
في أرض غاباتها بلون البحر أسير حاملاً على منكبيّ كآبة الحزانى ..
أحياناً تتكوَّر في رئتيّ شهقة حمراء لانتزاع كلمات من لغة أحبّها ..
تمتدُّ عبر موانئ عقلي ..
جدرانها كغمام مخثّر يقتطع بفأس الريح ..
للسماء أثداءٌ وحليب الطهر والنقاء ..
في سماء ثالثة تجمُّعات هادئة لملايين الألف..
زرقاء اللون لكنّها غامضة ولولا غموضها لما اكتشفنا مجاهلها ..
تصنع عسلاً مدبّباً تنقله الريح وتزرعه مع خطميّة في وادي الاسرار..

الألف طوابقها لها أعماق ولها علوّ وبهجة حيّة صامتة ناطقة ..
ومن نور الألف تنصبُّ فوق جسورها سرادق لراحة روحها. .
لها أفق مصنوع من ترسانة رملها الذهبيّ ..
تنـزف في الصباح بقايا قشعريرتها
على جدران وأسوار مبنيّة من ملح البحر ..
تملّح غضاريف وانعكافات من عظام دلافين المحيط والأوقيانوس ..
تبيت في بيوت مسحور بموجات ماء مقدّس ..
بعيدة عن لهب الاحتراق!

السويد ـ سودرتالية 1999

الماء

هل تندحر الظلمة صوب الغمر
لتكتسح أعماق خليقة الماء؟
الماء لغة السماء،
طلٌّ عالقة مواكب سحبه بندى
يحتلب من أثداء الظلمة
رذاذ ماء الربيع
يرافق إشراقات لا مرئيّة عبر سنوات الضوء
يفتح الماء رحيقه ليغسل أردان الصباح

ماء كمعزوفات قيثارة تكسر بنوطاتها السرّية
على صخرة نغم الآباد
ماء من تفاعل سقسقات روح الآباد
خلاصة نقطة تتخثّر فيها أردان البدء ..
يتمطّى ..
يتثاءب فوق أعصاب متن الأزل وجَلَده

ماء يطوّق حافّات وحواشي أردان البحيرات
بظلاله الحانية فوق نافورات زبدٍ ناصع..
بداية امتداد لجذور الخليقة..
ماء من تراب، وتراب من ماء ..
التراب جذره الأصيل من الماء
يأخذها جفاف البرايا إلى خاصّته
ويحوّلها حفنة من تراب
يصنع منها ربى لليابسة..

ماء لصناعة جسر يقتطع بحر سُوف
يستنهض أمواجه العاتية ليقف ندّاً لعبور القوافل
يصغي إلى تهديدات ريح عالقة
بجدائل الغيوم!

الماء وجه لكواكب يسوّرها قمر المحبّة
يقتطع مسافات ضوئيّة بين الأفلاك
لملاحقة السوافي البعيدة
يناغي مجرّات تقع شرقي السماء..
وجهٌ منمّق
يسبح عبر سرمديات اللغة الّلامدركة
يستقصي الرطوبة في طبقات السماء

ماء مكرراً
ولعاب الغيوم يسيل بين أجنحة السماء وطبقاته.
ماء من انحدارات غيوم مهاجرة نحو العدم
يغسل وجهاً من ينابيع سرمديات التفاعل الأبدي،
والمخاض المنطلق من خفقات هديره المرعب
يحرّك عناصر الأشياء المتصارعة.
تحبل به بواطن الأرض ..

ماء في زحفه نحو الأشياء اللامرئية
ماء من بذرة محمولة على أجنحة رياح
قادمة من آفاق بعيدة
يزيح عن البحر ريحاً شرقيّة
يغرف من اليابسة هدير أمواجه
يحرّك ريحاً شرقيّة
يصنع عاصفة
تشق البحر إلى نصفين!

كم أنت في روعة جلالك مهيب
يا صانع ماء البحر وخالق تياراته
وأمواجه ولججه

الماء بغتة يتحوّل إلى أسوار تعانق مواكب الغيوم
والسحب المزيّنة عنان السماء
مدّ يمينك الحاملة عصا الربوبية فوق مجاهل البحر
وشقّه إلى نصفين
الماء في رضوخه التام، في رصانته الكاملة
يشلح قمصانه المبقّعة
بعصير ملح صحراء التيه
الماء في عنفه يلوي قامة فرعون
ويخضد سيفه
يهلك جحافل فرعون
ويغرق مركباته وجحافله وفرسانه..

الماء يناجي عساكر الله،
يتبخّر كعمود،
صانعاً قي فضاءآته سحباً ورديّة..
مَنْ يفصل الليل عن النور؟
مّنْ يغرس في ثنايا موجة الليل بذرة الصباح؟
مَنْ يفصل الماء عن البحر
واليابسة عن المحيط؟
مَنْ يعطي لليابسة سمكاً مجفّفاً،
وحيتاناً تغزو الماء في انشطاراته؟

جاء الهزيع الأخير من الصباح
والربّ يمدّ بطاقاته التي لا تقهر
يقف عامود من سحاب،
تغزوه إلى النصف كتلة من دكنة الليل
ونصف من وجنة الشمس
حيث النور يخترق سجف الماء
ظلام يرسم لوحاته على بقعة ضوء
ملوّحاً ومسافراً صوب الهزيع الأخير
الآن مُدّ طاقات العصا المذهلة في يديك

ولترجع قامات الماء الباسقة
وعلى مركباتهم وفرسانهم،
كريح عاصفة ترفس ماء البحر
عاد الماء وغطّى مركبات، وفرسان جميع جيش فرعون
عابراً وملاحقاً إيّاهم في وسط البحر

أغرقهم البحر بشباك صولجانه
تلك القوافل مشت وسط البحر
والماء حافّاته تصنع أسواراً من جاذبيات المدّ والجذر
ماء طاقة فاعلة منبجسة من أحشاء غمام
تمرّ مواكبه فوق وهادنا
من يطرح الفرس وراكبه؟
الماء قوّة..
أَليس هو الّذي بدّد آلات الحرب؟
الماء ركب أقفال ترانيمه وهتف للنصر..
لرقرقة السواقي المنحدرة نحو وهاد الطيب

ماء نغماته مضاعفة عبر تياراته المكسّرة
كبلّور حجر الإضاءة يغزو دروب النمل
ينبثق من وهادٍ معبّأة بعظام طيور البراري
تلاحقه وعول تربض قرب صخرة الصوّان
مَنْ يشتري وحي الصمت من هناك؟ مَنْ؟

الأرض أسافلها ماء صخورها مجوّفة بآلة الماء
الماء يغسل رخامه بعطور ماء الوعول
يطارد سلاحف ذاهبة مع تيارات نهر الأردن
ماء من بحر حافّاته مكسّرة
يتجمّد تحت ضلع صخرة دهريّة
يغسل حجارة مقدّسة لصنع ذبيحة للإله المخلّص..
ينابيع ثرّة تغسل قرميدة دهريّة ملوّنة بدم الشمس
مياه تعكس قامة ظلّها على رقرقات ماء
ينفجر من أعماق الأرض
الأرض أسافلها ماء
صخورها مقعّرة بالماء
رخامها الناصع تغسله بعطور عالقة
على جسد الوعول

أمواج مخطّطة بلون غزلان البراري
تلاحق بعيونها تيّارات من مياه ذاهبة إلى نهر الأردن
تهرع إلى حافّات بحر
رضاب زبد أمواجه المعتصر
من تفاعله يتكسّر كفضة بيضاء
على سواحله العارية..

ينبثق الماء من ضلع صخرة دهريّة
ماء، تتنفّسه، يلتهم غمره ورحيقه قارات لا مرئيّة
يغسل حجارة مقدّسة تُرفع فوقها ذبيحة الرضا
عطر لسماء تستقبل مواكب هابيل
يصنعون ذبيحة لإله مقدّس
الماء تناجيه أبدية الخضرة المُمْرَعة
يحرّك أحشاء مطلسمة تحلّق مع أشعة الروح
فوق عوالم خطوطها من عاصفة المطر
الماء صباحات جمال اللوز في حدائق أسوار نينوى
بخار أنفاسه بلون بلّورة متقنة
في تراكيب بياضها..

الماء أمير الغيوم..
يطبع على أجنحته ألواناً
من خطوط رحيق بنفسجة برّيّة
رائحتة تفوح شذا فوق جداول الينابيع
كهرولة الألوان على أجنحة خنافس
في ديارات قديمة..

أوقيانوس الذات لغة تنبثق من موجات لججه
نغماته مضاعفة عبر تيّاراته المتكسّرة
على بلّور حجر مضيء
ماء يغزو دروب النمل
ينفجر منبثقاً من وهادٍ معبّأة بعظام طيور البراري..
ماء داخل قنينة أصوات ضائعة
ماء مثل كهربائيات من عقيق أخضر
منحنيات البازلت تشعُّ نوراً مطعّماً برائحة
تربة وهاد البرّية
يسقي مزارع لسنابل تجاور إسفلتاً
يمتصُّ أشعة السواد الصافي
من رفرفات أجنحة الليل..

الماء آخر حركات غيوم
داخل شباك الشتاء
يصنع رياحاً عنيفة

الماء نار وعاصفة..
عروق من دخان
يسربل بلهيبه الأزرق
مؤخرة قوافل السحب..

ماء يتغلغل كإشراقات تفاعل الكواكب
واحتكاكها
كأنّ مأوى الماء في هضاب سماويّة
مياه في تساقطها الاستمراري
تتآكل تدريجيّاً
رائحة الماء تنبت
فروعاً في شجرة برّية؟
ومَنْ ينقل ديمومة الخضرة
إلى هذه الصحارى
سوى هذه الدفقات السحريّة
من ماء الينابيع؟
أليس من رائحة الماء تنمو خراعيبها؟

وأمّا أنت يا أيّها المتوسّد جزع شجرة قديمة
انظر!
أسرابٌ من عصافير الأرض
ترحل يوميّاً
نحو
ينابيع
أنهارٍ
مقدّسة!..


الأب الشَّاعر د. يوسف سعيد
السويد ـ سودرتالية 1999
بواسطة : Administrator
 0  0  1.1K
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو 19:45 الثلاثاء 22 أكتوبر 2019.